يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 التنمية الترابية المندمجة أمام اختبار التنفيذ، من خلال برنامج حكومي يمتد على ثماني سنوات بغلاف مالي إجمالي يصل إلى 210 مليارات درهم، منها 25 مليار درهم مبرمجة برسم السنة المقبلة.
ويستهدف هذا التوجه ربط الاستثمار الترابي بتحسين ظروف العيش، وتوسيع فرص الشغل، وتقليص الفوارق بين المجالات، بدل الاكتفاء بتمويل مشاريع متفرقة لا تنعكس بالضرورة بالقدر نفسه على حاجيات السكان.
وكشف فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، خلال عرض توجهات مشروع قانون المالية أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، عن إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، يرتكز على أربعة محاور تشمل التشغيل، وتحسين الخدمات الأساسية، خصوصاً التعليم والصحة، والتدبير المستدام للموارد المائية، ثم التأهيل الترابي مع إعطاء اهتمام خاص للمناطق الجبلية والواحات والشريط الساحلي والمراكز القروية الصاعدة.
ويبرز التشغيل باعتباره أحد الاختبارات الرئيسية لهذا البرنامج، بالنظر إلى ارتباط التنمية المحلية بقدرة المجالات الترابية على خلق فرص اقتصادية مستقرة، وتحسين ظروف الاستثمار، وتوفير فرص للشباب. ولن يتوقف أثر الغلاف المالي المعلن عند حجم الاعتمادات المرصودة، بل سيتحدد أيضاً بمدى توجيه المشاريع نحو أنشطة منتجة ومناصب شغل فعلية، مع تتبع طبيعة هذه المناصب واستمراريتها وتوزيعها بين الجهات.
أما في قطاعي التعليم والصحة، فيراهن البرنامج على تعزيز الخدمات الأساسية وتقريبها من المواطنين، بما يطرح تحدي تحسين العرض العمومي في المناطق التي تواجه خصاصاً في التجهيزات والموارد البشرية.
وتقتضي الاستجابة لهذه الحاجيات تنسيق الاستثمار في البنيات التحتية مع توفير الأطر والتجهيزات اللازمة لتشغيلها، حتى لا تظل المشاريع المنجزة عاجزة عن تقديم الخدمات المنتظرة.
ويحتل الماء بدوره موقعاً ضمن المحاور الأربعة، من خلال التوجه نحو التدبير الاستباقي والمستدام للموارد المائية. وتكتسي هذه الأولوية أهمية خاصة بالنسبة إلى المجالات القروية والجبلية والواحات، حيث ترتبط التنمية الاقتصادية والاجتماعية بتأمين الموارد المائية وحسن تدبيرها، فضلاً عن انعكاساتها على الأنشطة الفلاحية واستقرار السكان.
ولضمان التنسيق بين مختلف مستويات التدخل، أعلن لقجع اعتماد حكامة ثلاثية تشمل اللجان الإقليمية والجهوية والوطنية، إلى جانب إحداث وتفعيل منصة رقمية مندمجة لتتبع تقدم الأشغال وإنجاز المشاريع.
ويُفترض أن تتيح هذه الآليات رصد التأخر في التنفيذ وتعزيز الشفافية، غير أن فعاليتها ستظل رهينة بنشر معطيات واضحة حول المشاريع المبرمجة، ونسب تقدمها، والاعتمادات المصروفة، والنتائج المحققة على أرض الواقع.
ويترافق هذا الورش مع توجه لتعزيز الجهوية المتقدمة، من خلال رفع التحويلات المالية للدولة الموجهة إلى الجهات من 10 إلى 12 مليار درهم. كما تشمل الإجراءات المعلنة إصلاح الإطار التنظيمي المتعلق بالجهات،
وتحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة، وإضفاء طابع مؤسساتي على التعاقد بين الدولة والجهات، بما يستهدف توضيح الالتزامات المتبادلة وتعزيز استمراريتها.
وتضع هذه الاختيارات الجهات أمام مسؤولية أكبر في تحديد الأولويات الترابية وربط المشاريع بالحاجيات الفعلية للسكان، كما تفرض تطوير قدراتها على التخطيط والتنفيذ والتقييم. فرفع التحويلات المالية لا يضمن وحده تقليص الفوارق، ما لم يقترن بتوزيع منصف للاستثمارات، وحكامة فعالة، وتنسيق بين السياسات العمومية، ومساءلة الجهات المكلفة بالتنفيذ.
وبين الغلاف المالي الممتد على ثماني سنوات والاعتمادات المخصصة لسنة 2027، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من إعلان البرامج إلى قياس أثرها. فنجاح الجيل الجديد من التنمية الترابية لن يُقاس بمجموع الأموال المعبأة فقط، بل بقدرته على خلق فرص الشغل، وتحسين المدرسة والمستشفى، وتأمين الماء، وتقريب الخدمات من المناطق الأقل استفادة، وتحويل الجهوية المتقدمة إلى أداة ملموسة لتحقيق العدالة المجالية.



