حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اتفاق 26 أبريل 2011، ما تزال مطالب فئات من نساء ورجال التعليم، من المتقاعدين والمزاولين، بالترقية إلى الدرجة الممتازة، المعروفة بـ«خارج السلم»، تنتظر تسوية تنهي سنوات من الانتظار وتعيد الاعتبار لمسار مهني قضاه أصحابه في تربية الأجيال وتكوين الكفاءات.

ولا يتعلق الأمر بمجرد خلاف إداري حول الترقية، بل بقضية إنصاف مهني واجتماعي تضع الحكومة والقطاعات المعنية أمام مسؤولية توضيح أسباب استمرار الملف والعمل على معالجته وفق القواعد القانونية الجاري بها العمل.

فالمعنيون بهذه المطالب ساهموا، على امتداد سنوات طويلة، في تكوين أطر تتولى اليوم مسؤوليات في الإدارة والقضاء والصحة والاقتصاد والتعليم ومختلف مؤسسات الدولة.

ومن ثم، فإن الاعتراف بدورهم لا ينبغي أن يظل محصوراً في الخطاب حول مكانة المدرس ورسالته التربوية، بل يتعين أن يترجم إلى معالجة منصفة لحقوقهم المهنية والإدارية، بما يشمل المتقاعدين الذين لا ينبغي أن تتحول نهاية مسارهم الوظيفي إلى سبب لإبعادهم عن أي تسوية يثبت استحقاقهم لها قانوناً.

وتكتسب القضية أهمية إضافية بالنظر إلى استفادة فئات من موظفي ومتقاعدي قطاعات العدل والمالية والصحة من مقتضيات اتفاق 26 أبريل 2011 المتعلقة بالترقية إلى الدرجة الممتازة، في حين ما تزال فئات من أسرة التعليم تطالب بالاستفادة من هذه التسوية.

ويطرح هذا التفاوت في المعالجة ضرورة توضيح الأسس القانونية والإدارية التي حكمت تطبيق الاتفاق في القطاعات المعنية، وأسباب عدم تسوية وضعيات الفئات التعليمية التي تعتبر نفسها مستوفية لشروط الاستفادة.

وقد تجاوز الملف الأوساط التعليمية ليصل إلى المؤسسة التشريعية؛ إذ أثار النائب عبد الله بوانو، ممثل فريق حزب العدالة والتنمية، من خلال سؤال برلماني، مسألة عدم استفادة فئات من موظفي ومتقاعدي التعليم من مقتضيات الاتفاق، رغم تطبيقها في قطاعات أخرى.

كما طالبت النائبة خديجة أروهال، عن فريق التقدم والاشتراكية، بإدراج ما تبقى من تنفيذ اتفاق 26 أبريل 2011 ضمن جدول أعمال اللجنة الوطنية العليا للحوار الاجتماعي. ويعزز هذا الحضور البرلماني الحاجة إلى جواب حكومي واضح يحدد وضعية الفئات المعنية، ويشرح أسباب التأخر، ويكشف عن الإجراءات الممكنة لتسوية الملف.

ولا يمكن فصل هذه المطالب عن المبادئ الدستورية المؤطرة لعمل المرافق العمومية وعلاقة الدولة بالمواطنين. فالفصل السادس من دستور 2011 ينص على خضوع الجميع للقانون، فيما يؤكد الفصل 154 مبادئ المساواة في الولوج إلى المرافق العمومية والاستمرارية والجودة والشفافية والمحاسبة،

ويحدد الفصل 155 القواعد التي يخضع لها أعوان المرافق العمومية في ممارسة مهامهم. ورغم أن هذه المقتضيات لا تمنح الترقية تلقائياً خارج الشروط القانونية، فإنها تعزز ضرورة وضوح المعايير وتفسير الاختلاف في المعالجة وضمان عدم حرمان أي فئة من حق يثبت استحقاقها له.

لذلك، لا يكفي الاكتفاء بالمقارنة بين القطاعات، بل ينبغي مراجعة الفئات المعنية بالاتفاق، وتحديد شروط الاستفادة التي طُبقت في القطاعات الأخرى، ومقارنتها بالوضعيات المهنية والإدارية لنساء ورجال التعليم المطالبين بالتسوية. كما يتعين توضيح الآثار الإدارية والمالية المترتبة عن أي قرار محتمل، بما يسمح بمعالجة قانونية واضحة تضع حداً لحالة الانتظار.

وتتحمل الحكومة مسؤولية أساسية في هذا المسار، من خلال تنسيق جهود وزارة التربية الوطنية ووزارة المالية ورئاسة الحكومة والجهات المختصة، والانتقال من التعامل مع الملف باعتباره مطلباً متكرراً إلى وضع مسار عملي لدراسته وتسويته. ويقتضي ذلك تحديد الفئات المعنية، وفحص وضعياتها، وتوضيح العقبات القانونية والإدارية، والإعلان عن الحلول الممكنة والآجال المرتبطة بها.

كما تبرز مسؤولية مكونات الأغلبية الحكومية، التي تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، في نقل هذا المطلب إلى دوائر القرار والمساهمة في البحث عن تسوية.

فالمشاركة في الحكومة تضع الأحزاب المعنية أمام مسؤولية التفاعل مع الملفات الاجتماعية والمهنية العالقة، والمساهمة في تحويل الالتزامات المعلنة إلى إجراءات ملموسة.

ويكتسي موقف حزب التقدم والاشتراكية أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى ترافعه السابق عن القضايا الاجتماعية والمهنية ودفاعه عن حقوق الفئات المتضررة خلال وجوده في المعارضة.

واليوم، بعدما أصبح الحزب ضمن الأغلبية الحكومية، يبرز التساؤل حول كيفية مواصلته هذا الدور من داخل المؤسسات، والمبادرات التي يمكن أن يسهم بها في معالجة ملف طال انتظاره لأكثر من خمسة عشر عاماً. فالمعيار ليس المواقف السابقة وحدها، بل مدى القدرة على نقل المطالب إلى مسار مؤسساتي يفضي إلى نتائج واضحة.

وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة فتح حوار جدي لا يقتصر على اللقاءات بين الوزارة والنقابات التعليمية، بل يشمل أيضاً ممثلي المتقاعدين والمقصيات والمقصيين من الترقية إلى خارج السلم. فهؤلاء جزء من أسرة التربية والتكوين،

ولا ينبغي أن يؤدي تقاعدهم إلى إبعاد مطالبهم عن طاولة الحوار. كما تتحمل المركزيات النقابية مسؤولية توسيع دائرة الترافع لتشمل هذه الفئات، وتنسيق الجهود لتوحيد المطالب وتقديم ملفات موثقة تسهم في تسهيل مناقشتها مع الجهات المختصة.

أما وسائل الإعلام، فيقع على عاتقها واجب مواكبة الملف وتتبع مواقف المسؤولين ومآل الالتزامات، وتسليط الضوء على أبعاده الاجتماعية والمهنية، ومساءلة الجهات المعنية عن أسباب استمرار الانتظار. فالمتابعة الإعلامية المنتظمة تتيح إبقاء القضية حاضرة في النقاش العمومي، وتمنح المعنيين فرصة لعرض مطالبهم، كما تتيح للحكومة والوزارة الوصية توضيح مواقفهما أمام الرأي العام.

إن الرهان اليوم لا يتعلق بتجديد الالتزامات أو الاكتفاء بالتأكيد على أهمية الدولة الاجتماعية، بل بمدى ترجمة الدفاع عن الحقوق إلى مبادرات عملية. فبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على اتفاق 26 أبريل 2011، أصبح المطلوب تقديم جواب واضح بشأن مصير مطالب شيوخ التربية والتكوين، وتحديد الخطوات الممكنة لتسوية وضعيات من تثبت أحقيتهم، مع وضع أفق زمني لمعالجة الملف وإشراك الفئات المعنية في الحوار.

إن إنصاف هؤلاء لا يعني تجاوز القانون أو منح امتيازات خارج الضوابط، وإنما ضمان معالجة واضحة ومنصفة للحقوق المستحقة. فشيوخ التربية والتكوين لا يطالبون باستعادة سنوات العمر، بل برد الاعتبار لمسار مهني أسهم في تربية أجيال وتكوين كفاءات تتولى اليوم مسؤوليات متعددة.

وتظل مسؤولية الحكومة والوزارة الوصية والأغلبية الحكومية والمركزيات النقابية مشتركة في الدفع نحو حل ملموس، فيما يبقى دور الإعلام أساسياً في تتبع هذا المسار ومساءلة المسؤولين عن نتائجه. فالاعتراف بقيمة المربي لا يكتمل بالشعارات، بل بقرارات عملية تحفظ الحقوق وتعيد الثقة إلى من أسهموا في بناء المدرسة العمومية والمجتمع.

فهل تتحرك الحكومة ووزارة التربية الوطنية ووزارة المالية لتقديم جواب حاسم بشأن هذا الملف؟ وهل تبادر مكونات الأغلبية والمركزيات النقابية إلى جعل إنصاف هذه الفئة ضمن أولويات الحوار الاجتماعي؟