حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 تحسين القدرة الشرائية للأسر ضمن أولوياته الاجتماعية، عبر مراجعة الضريبة على الدخل، والرفع التدريجي للمعاشات، وتوسيع الدعم المباشر، وتخفيف فواتير الكهرباء عن ملايين الزبائن.

غير أن التدابير التي عرضها فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، أمام البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر، تطرح أيضا سؤال تمويل هذه الالتزامات ومدى قدرتها على إحداث تحسن مستدام في مستوى عيش المواطنين.

ويبرز إصلاح الضريبة على الدخل في مقدمة الإجراءات الموجهة إلى الأجراء، إذ يقترح المشروع رفع سقف الدخل السنوي الصافي المعفى من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وتقليص عدد الشرائح الضريبية من خمس إلى ثلاث، بمعدلات تبلغ 10 و20 و30 في المائة، مع خفض المعدل الهامشي للشريحة العليا من 37 إلى 30 في المائة.

وبموجب هذه المراجعة، المرتقب دخولها حيز التنفيذ في فاتح يناير 2027، ستُعفى الأجور الشهرية الصافية التي تقل عن 10 آلاف درهم من الضريبة على الدخل، لترتفع نسبة الأجراء المعفيين إلى 87 في المائة.

وتقدر الكلفة المالية لهذا الإجراء بنحو 5,5 مليارات درهم خلال السنة الأولى، فيما تشير التقديرات المقدمة إلى مكاسب شهرية تقارب 500 درهم بالنسبة إلى غالبية المعنيين.

ولا تتوقف آثار الإصلاح عند سنة 2027، إذ قدم لقجع أمثلة على ارتفاع المكاسب المحتملة إلى غاية 2031. ووفق هذه الأمثلة، قد يصل التحسن الشهري في الدخل الصافي إلى 1186 درهما بالنسبة إلى أجير يتقاضى 11800 درهم، وإلى 3079 درهما بالنسبة إلى أجير يبلغ راتبه 18700 درهم. وتظل هذه الأرقام مرتبطة بمستويات الأجور وبالتدرج الزمني لتطبيق الإصلاح، ولا تعني أن جميع الأجراء سيستفيدون من الزيادات نفسها.

ويرتبط الرهان الاقتصادي لهذه المراجعة بزيادة الدخل المتاح للأسر، بما قد ينعكس على الاستهلاك الداخلي ويخفف الضغط على الطبقة المتوسطة. لكن الأثر النهائي سيظل رهينا بتطور الأسعار وتكاليف الخدمات الأساسية، إذ إن ارتفاع الأجر الصافي لا يضمن وحده تحسنا مماثلا في القدرة الشرائية إذا استوعبت نفقات المعيشة جزءا من المكسب.

وفي معرض تفسير الاختيارات الضريبية، ربط لقجع المعدلات المقترحة بوضعية الضريبة على الشركات وتوزيع الأرباح. وأوضح أن الشركات التي يقل رقم معاملاتها عن 100 مليون درهم تخضع لمعدل ضريبي يبلغ 20 في المائة، وأن احتساب الضريبة على توزيع الأرباح يرفع المعدل الفعلي إلى حدود 28 في المائة.

ويعكس هذا النقاش، بحسب التوضيحات المقدمة، توجها نحو الحد من الفوارق بين المعاملة الجبائية للأجور والأنشطة الاقتصادية، وتفادي اختلالات قد تشجع على الانتقال بين الأنظمة الضريبية.

وفي موازاة تخفيف العبء الضريبي، يتجه المشروع إلى تحسين مداخيل المتقاعدين والأرامل. فمن فاتح يناير 2027، يرتقب رفع الحد الأدنى للمعاش من مستوى يقارب ألف درهم إلى 1700 درهم شهريا، في أفق بلوغ 3000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية.

ويهم هذا الإجراء، وفق الأرقام التي أعلنها الوزير، نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة.

كما تعتزم الحكومة رفع نسبة المعاش المخول للأرامل من 50 إلى 100 في المائة ابتداء من التاريخ نفسه، لفائدة 431 ألف أرملة. وتفوق الكلفة الإجمالية للإجراءين 10 مليارات درهم، بما يبرز حجم الالتزامات المالية المرتبطة بتوسيع الحماية الاجتماعية.

غير أن بلوغ الحد الأدنى المستهدف للمعاشات يظل مسارا تدريجيا يمتد إلى نهاية الولاية، وليس مستوى سيطبق كاملا منذ بداية سنة 2027.

وتعيد هذه الإجراءات طرح مسألة استدامة أنظمة التقاعد، إذ إن تحسين المعاشات لا ينفصل عن معالجة اختلالاتها المالية وضمان مواردها على المدى الطويل. لذلك، يظل الحوار مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين جزءا من النقاش المرتبط بقدرة هذه الأنظمة على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

ويمتد التوجه نفسه إلى الدعم المباشر للأسر، من خلال الرفع التدريجي للحد الأدنى من 500 إلى ألف درهم عند نهاية الولاية الحكومية، مع زيادة مبرمجة خلال سنة 2027 واعتمادات مالية تقدر بثلاثة مليارات درهم.

وتتجه الحكومة كذلك إلى تطوير معايير الاستفادة بالاعتماد بصورة أكبر على الدخل الفعلي للأسر، بهدف جعل توزيع المساعدات أقرب إلى الوضعية المعيشية الحقيقية للمستفيدين.

ومن التدابير المعلنة أيضا تحمل الدولة كامل فاتورة الكهرباء الشهرية التي لا تتجاوز 100 درهم، لفائدة نحو ستة ملايين زبون، أي ما يقارب 60 في المائة من مجموع الزبائن، بكلفة سنوية تقدر بـ2,8 مليار درهم.
ويستهدف هذا الإجراء تقليص نفقات الطاقة بالنسبة إلى الأسر المعنية، فيما ستتوقف فعاليته العملية على شروط الاستفادة وآليات التنزيل.

ولا تقتصر معالجة القدرة الشرائية على التحويلات المالية والإعفاءات، بل تشمل أيضا محاولة التأثير في كلفة السلع الأساسية. وفي هذا السياق، أعلن لقجع تخصيص مليار درهم لإصلاح مسالك توزيع المواد الأساسية وأسواق الجملة، عبر إحداث ست شركات جهوية للتجميع والتسويق بالأحواض الفلاحية الكبرى، إلى جانب إصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك.

ويستهدف هذا التوجه تقليص تكاليف الوساطة وتحسين التنافسية داخل سلاسل التوزيع. وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة لأن تخفيف الضرائب أو رفع المداخيل قد لا يترجم بالكامل إلى مكاسب للأسر إذا استمرت اختلالات التسويق وتعدد الوسطاء في رفع الأسعار النهائية للمنتجات.

وفي قطاع الصحة، خصص المشروع 45,4 مليار درهم، بزيادة تقارب ثلاثة مليارات مقارنة بسنة 2026، إلى جانب إحداث 8 آلاف منصب مالي. ويأتي هذا الإنفاق ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز الخدمات الصحية، لكنه يرتبط أيضا بالعبء الذي تتحمله الأسر عند الولوج إلى العلاج، ما يجعل أثره الاجتماعي مرتبطا بمدى تحسن جودة الخدمات وتوافرها وتقليص النفقات المباشرة على المرضى.

وتندرج هذه الالتزامات ضمن حزمة أوسع من الأولويات الاجتماعية التي تقدر اعتماداتها بنحو 62 مليار درهم خلال سنة 2027. وبذلك، لا ينحصر المشروع في إجراءات فورية لتحسين الدخل، بل يجمع بين الدعم الاجتماعي وتمويل الخدمات الأساسية، في وقت يبلغ فيه الاستثمار العمومي المعلن 400 مليار درهم خلال السنة نفسها.

وتستند هذه الاختيارات إلى مؤشرات اقتصادية ومالية عرضها الوزير، من بينها نمو متوقع بنسبة 4,7 في المائة سنة 2026، وتضخم في حدود 0,7 في المائة، ومحصول حبوب يقدر بـ90 مليون قنطار للموسم الفلاحي 2025-2026.

كما يرتقب أن يبلغ عجز الميزانية 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بينما وصلت المداخيل الجبائية إلى 288,3 مليار درهم عند نهاية شتنبر 2026، بزيادة قدرها 30,2 مليار درهم، أي بنسبة 11,7 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

وتوفر هذه المؤشرات، وفق التقديرات الحكومية، قاعدة لتمويل جانب من الالتزامات الجديدة، لكنها لا تحسم وحدها مسألة استدامتها، خصوصا أن بعض التدابير يمتد تنفيذها إلى نهاية الولاية الحكومية. ويظل الحفاظ على التوازنات المالية مرتبطا باستمرار نمو المداخيل، وتحسين مردودية الإنفاق العمومي، وقدرة الاقتصاد على خلق الثروة وفرص الشغل.

وبذلك، يتجاوز التحدي المطروح أمام مالية 2027 مجرد الإعلان عن إعفاءات ضريبية ومعاشات أعلى ودعم إضافي. فالمعيار الأساسي لقياس أثر هذه الإجراءات هو انعكاسها الفعلي على نفقات الأسر ومستوى عيشها، بالتوازي مع إصلاح الأسواق وتحسين الخدمات الاجتماعية وضمان تمويل الالتزامات الجديدة.

وبين حجم الإنفاق المعلن واستدامة الموارد، ستتحدد قدرة المشروع على تحويل التدابير المالية إلى تحسن ملموس ومستمر في القدرة الشرائية.