حجم الخط + -
7 دقائق للقراءة

قدمت رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام أعضاء مجلسي النواب والمستشارين، البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، متضمناً مجموعة من الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، التي تستهدف تحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم، وتوسيع فرص الشغل، إلى جانب تقوية السيادة المائية والطاقية والغذائية للمملكة.

وأكدت رئيسة الحكومة، في مستهل التصريح، أن البرنامج يشكل تعاقداً سياسياً ومؤسساتياً يستند إلى التوجيهات الملكية والالتزامات الانتخابية، مشددة على ضرورة تحويل التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ، وربط المسؤولية بالنتائج التي يلمسها المواطنون في حياتهم اليومية.

وأوضحت أن المرحلة المقبلة تقتضي الانتقال من توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن رفع حجم الاستثمارات إلى تعزيز مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية، مع التركيز على معالجة الاختلالات المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والفوارق المجالية.

دعم الأسر ومواجهة غلاء المعيشة

وضعت الحكومة تحسين القدرة الشرائية للأسر في صدارة أولوياتها، من خلال إجراءات تستهدف تعزيز الدخل، وضبط أسباب ارتفاع الأسعار، وتحسين تموين الأسواق بالمواد الأساسية.

وفي هذا السياق، يتضمن البرنامج إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل الفاتورة الشهرية للكهرباء، في حدود 100 درهم، لفائدة الأسر المستحقة التي تتوفر فيها الشروط المحددة، مع اعتماد آلية مبسطة للاستفادة دون الحاجة إلى طلبات ورقية أو تنقلات إدارية.

كما تعتزم الحكومة إطلاق إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به، إلى جانب إصلاح مسالك تسويق اللحوم والأسماك وتقريب المنتجين من المستهلكين، وضبط العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية.

ويتضمن البرنامج أيضاً مراجعة استهداف الدعم الاجتماعي على أساس الدخل الفعلي للأسر، مع رفع قيمة الدعم من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، فضلاً عن توسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.

رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3000 درهم

ومن أبرز الالتزامات التي تضمنها التصريح الحكومي إطلاق إصلاح شامل لأنظمة التقاعد، بالتشاور مع الشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، بهدف ضمان استدامة تمويل المعاشات وتحسين مستوى عيش المتقاعدين.

وأكدت الحكومة أن إصلاح التقاعد لن يقتصر على مراجعة سن الإحالة على المعاش أو نسب الاشتراكات وطرق احتساب المعاشات، بل سيستهدف إعادة بناء منظومة متكاملة توسع الحماية لتشمل الفئات التي لا تتوفر على معاش، وتعمل على تقليص الفوارق بين الأنظمة، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة.

وفي هذا الإطار، تعتزم الحكومة الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهرياً بمختلف الأنظمة، كما تتعهد بتمكين الأرملة من معاش يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، عوض النسبة المحددة حالياً في 50 في المائة، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.

وشدد التصريح على أن تنزيل هذا الإصلاح سيخضع للحوار الاجتماعي، وفق أهداف ومراحل محددة وتمويلات تضمن استدامة المنظومة.

إصلاح الصحة وتعزيز الموارد البشرية

وفي القطاع الصحي، تراهن الحكومة على الانتقال من تعميم التغطية الصحية إلى ضمان الولوج الفعلي والعادل والمستمر إلى خدمات ذات جودة، من خلال معالجة الخصاص في العرض الصحي بين الجهات، وتحسين استقبال المرضى وتطوير مصالح المستعجلات.

ويتضمن البرنامج إرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، وتعميم خدمات المساعدة الطبية المستعجلة، إلى جانب استكمال الإصلاح المؤسساتي للقطاع وتعزيز الموارد البشرية وتحسين أوضاع العاملين في الوظيفة العمومية الصحية.

وتسعى هذه التدابير إلى تقليص الفوارق في الولوج إلى العلاج، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، خاصة في المناطق التي تعاني نقصاً في المؤسسات والتجهيزات والأطر الصحية.

التعليم.. هدف بلوغ 80 في المائة من التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية

وعلى مستوى التعليم، حدد البرنامج الحكومي هدف رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل بحلول سنة 2031.

ولتحقيق ذلك، تعتزم الحكومة مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ، مع توظيف الوسائل الرقمية لتتبع تطور مكتسباتهم.

كما التزمت الحكومة بتحقيق هدف «صفر انقطاع عن الدراسة» في أفق سنة 2030، من خلال رصد التلاميذ المهددين بالانقطاع في وقت مبكر، وتتبع مساراتهم، وتوجيه المنقطعين نحو حلول بديلة تشمل العودة إلى التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.

تشغيل الشباب ومواكبة المقاولات

وفي مواجهة تحديات البطالة، كشف التصريح الحكومي عن وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، فيما تبلغ نسبة البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة، وفق الأرقام الواردة في البرنامج.

وأعلنت الحكومة عزمها إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية الترابية ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنوياً من اكتساب أول تجربة مهنية.

كما يرتقب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً، إلى جانب مواكبة 60 ألف مقاولة من أجل ضمان تطورها واستمرارها، عبر تسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية.

وتشمل التدابير المعلن عنها تفعيل جواز الحركة المهنية لفائدة الأشخاص الذين يجدون فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، مع العمل على توفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة، فضلاً عن إبرام اتفاقيات مع دول تحتاج إلى بعض المهن لتيسير الحركة المهنية القانونية.

برنامج للسكن القروي يستهدف 100 ألف مسكن

وفي مجال السكن، تتجه الحكومة إلى اعتماد سياسة متكاملة تراعي حاجيات الأسر والخصوصيات المجالية، وتهدف إلى خفض كلفة السكن وتحسين جودة الأحياء وتقريب السكن من فرص العمل والنقل والخدمات.

ويتضمن البرنامج مواصلة دعم تملك السكن، وإحداث عرض وطني مخصص للكراء، واستكمال جهود القضاء على السكن غير اللائق، إلى جانب وضع برنامج متكامل للسكن القروي والبناء الذاتي الآمن.

وفي هذا الإطار، أعلنت الحكومة عن برنامج يستهدف تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن في الوسط القروي خلال الولاية الحكومية، مع تقديم دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، إلى جانب مواكبة تقنية مجانية.

كما تعتزم إخراج قانون للتعمير بالوسط القروي، يرمي إلى تبسيط مساطر البناء والتعمير وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.

تعزيز الموارد المالية للجهات ومحاربة الفوارق المجالية

وفي سياق تعزيز التنمية الترابية، التزمت الحكومة برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع مواصلة تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.

كما يرتكز البرنامج على تسريع تنزيل اللاتمركز الإداري، وتطوير آليات تنفيذ المشاريع على المستوى الجهوي، وتعزيز استقلالية الجهات المالية، بما يسمح بتقوية دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتضع الحكومة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة ضمن أولوياتها، بهدف تحقيق أثر مباشر على ظروف عيش المواطنين وتحسين توزيع الاستثمارات والخدمات بين مختلف مناطق المملكة.

الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر

وفي مواجهة التحديات المرتبطة بالأمن المائي والطاقي، تلتزم الحكومة برفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، إلى جانب مواصلة تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر وتطوير البنية التحتية للغاز.

أما في المجال المائي، فيتضمن البرنامج تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، إلى جانب مضاعفة جهود إنجاز السدود وتطوير مشاريع تحويل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، مع مراعاة التوازنات المائية للمناطق المعنية.

كما تعتزم الحكومة إعداد مخطط وطني للماء يشكل إطاراً استراتيجياً لتوجيه السياسة المائية على المدى الطويل، مع تعزيز التنسيق بين السياسات المرتبطة بالماء والفلاحة والطاقة والبيئة وإعداد التراب.

وفي المجال الغذائي، يستهدف البرنامج رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، وتأمين المخزونات وضمان تموين السوق، فضلاً عن دعم إعادة تكوين القطيع ومواكبة صغار الكسابة وتعزيز اليقظة الصحية والوبائية.

السياحة والاستثمار والنمو الاقتصادي

اقتصادياً، تراهن الحكومة على تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة سنوياً، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ووضع المديونية العمومية في مسار تنازلي نحو 62 في المائة من الناتج بحلول سنة 2031.

ولتحقيق هذه الأهداف، تعتزم الحكومة توسيع الوعاء الضريبي وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، وتعزيز مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب مواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وتيسير التمويل لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

كما يستهدف البرنامج رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، وتسريع المشاريع الاستثمارية المتعاقد بشأنها، وتعبئة الادخار الوطني وتوسيع مصادر التمويل الموجهة إلى الاستثمار المنتج والتصنيع والتصدير.

وفي القطاع السياحي، أعلنت الحكومة عن إعداد خارطة طريق للفترة 2027-2030، ترمي إلى استقبال 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، مع تطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة وتعزيز جاذبية الوجهة المغربية.

محاربة الفساد وتعزيز دولة القانون

وعلى المستوى المؤسساتي، جعل البرنامج الحكومي محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح من بين أولوياته، من خلال استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، ومراجعة الإطار القانوني المرتبط بالإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.

كما يتضمن إحداث آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العروض، مع التزام يقضي بتخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات المغربية الصغيرة والمتوسطة، وفق ما ورد في التصريح.

وفي مجال الحقوق والحريات، تعهدت الحكومة بمواصلة إصلاحات تشريعية ومؤسساتية، وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص، ومحاربة العنف ضد النساء، وتوسيع مشاركتهن في مراكز القرار، فضلاً عن مواصلة تنزيل إصلاح مدونة الأسرة وتعزيز حماية الأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة.

كما أعلنت تخصيص ملياري درهم لصندوق خاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، مع إحداث لجنة وزارية دائمة لتتبع إدماجها في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام.

الشباب في صلب الأولويات الحكومية

وأكدت رئيسة الحكومة أن قضايا الشباب تشكل خيطاً ناظماً لمختلف محاور البرنامج، بدءاً من المشاركة السياسية والمؤسساتية، مروراً بجودة التعليم والتكوين المهني، وصولاً إلى إدماج الشباب في المشاريع الكبرى وأوراش الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.

كما يتضمن البرنامج إجراءات لدعم التكوين في المهن الرقمية، وتشجيع عودة الكفاءات المغربية، والحد من هجرة حاملي الشهادات العليا، إلى جانب إعداد استراتيجية وطنية مندمجة للشباب تقوم على التنسيق بين المؤسسات وتوسيع الولوج إلى الفرص الاقتصادية.

التزامات في انتظار التنزيل

وفي ختام التصريح، أكدت رئيسة الحكومة أن تنفيذ البرنامج مسؤولية حكومية تخضع لرقابة البرلمان وتقييمه، مع التشديد على الانفتاح على المعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والإعلام.

ويقدم البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 مجموعة واسعة من التعهدات، تشمل رفع الحد الأدنى للمعاشات، وتحسين الدعم الاجتماعي، وتطوير الصحة والتعليم، وتشغيل الشباب، وتوفير السكن القروي، وتعزيز الأمن المائي والطاقي، وتحفيز الاستثمار والسياحة.

غير أن الأثر الفعلي لهذه الالتزامات سيظل مرتبطاً بمدى ترجمتها إلى إجراءات عملية، وتحديد آجال تنفيذها ومصادر تمويلها، وقدرة المؤسسات المعنية على تحقيق الأهداف المعلنة خلال السنوات المقبلة.

ملاحظة للنشر: هذا المقال محرر اعتماداً على نص التصريح الذي قدمته. لم أتحقق بشكل مستقل من صحة نسبة التصريح أو الأرقام والالتزامات الواردة فيه؛ لذلك يُستحسن مطابقة النص مع الوثيقة الرسمية المنشورة من الجهات الحكومية والبرلمانية قبل النشر، خصوصاً ما يتعلق بأسماء المسؤولين والتواريخ والأهداف المالية والاجتماعية.