حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 ملف التشغيل أمام أول اختبار عملي لوعود حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بعدما برمج إحداث 52 ألفاً و644 منصباً جديداً في القطاع العام، في وقت لا تزال فيه البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، من أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب.

وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة عند مقارنتها بالمعطيات التي أعلنتها المندوبية السامية للتخطيط. فوفق نتائج البحث الجديد حول اليد العاملة برسم الفصل الثاني من سنة 2026، بلغ معدل البطالة بالمعنى الضيق 9,5 في المائة وطنياً، مقابل 11,9 في المائة بالوسط الحضري و5,4 في المائة بالوسط القروي.

وارتفعت النسبة إلى 14,8 في المائة لدى النساء، فيما بلغت 27,2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. وتستدعي هذه الأرقام الانتباه إلى أن قياس البطالة أصبح يعتمد منهجية جديدة، لذلك لا تجوز مقارنتها مباشرة بالمعدلات المحسوبة وفق المنهجية السابقة.

وفي هذا السياق، يتوزع العدد الإجمالي للمناصب المبرمجة في مشروع قانون المالية رقم 60.26، الذي قدمه وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية فوزي لقجع أمام البرلمان أمس الجمعة 23 أكتوبر، بين 34 ألفاً و454 منصباً ضمن الميزانية العامة للدولة، و15 ألفاً و590 منصباً لفائدة الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، إضافة إلى 2600 منصب للمجموعات الصحية الترابية.

ويستحوذ قطاعا التعليم والصحة على حصة مهمة من هذه الاعتمادات البشرية. ففي التعليم، تشمل البرمجة 15 ألفاً و590 منصباً للأكاديميات الجهوية، إلى جانب 364 منصباً مخصصاً مباشرة للوزارة الوصية، بينما يستفيد قطاع الصحة من 5400 منصب للوزارة و2600 منصب للمجموعات الصحية الترابية. وتتصدر وزارة الداخلية قائمة المستفيدين من المناصب المحدثة ضمن الميزانية العامة بـ14 ألفاً و200 منصب، تليها إدارة الدفاع الوطني بـ5500 منصب.

غير أن دلالة هذه الأرقام لا تتوقف عند تعزيز الموارد البشرية للإدارات والمرافق العمومية، بل ترتبط أيضاً بمدى قدرتها على تحسين الخدمات الأساسية وتوفير فرص الشغل، في ظل محدودية المناصب الحكومية مقارنة بحجم الطلب على العمل. كما أن المناصب المبرمجة لا تعني بالضرورة أن جميعها ستتحول فوراً إلى توظيفات فعلية، إذ يظل ذلك مرتبطاً بمساطر التوظيف والتنفيذ.

وتتجاوز رهانات التشغيل حدود الوظيفة العمومية، لتشمل الالتزامات التي حملتها البرامج الانتخابية لأحزاب الأغلبية المكونة من الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.

فقد جعلت هذه الأحزاب من إحداث فرص الشغل وإدماج الشباب ودعم الاستثمار المنتج محاور أساسية في تصوراتها الاقتصادية، مع اختلافها في الأهداف الرقمية والآليات المقترحة.

وكان حزب الأصالة والمعاصرة قد أعلن هدف إحداث مليون منصب شغل صافٍ خلال خمس سنوات، وهو هدف تبناه أيضاً حزب التقدم والاشتراكية. كما اقترح الاتحاد الاشتراكي إدماج 200 ألف شاب سنوياً في سوق الشغل.

لكن هذه الالتزامات الانتخابية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها أهدافاً موحدة للحكومة، خصوصاً أن البرنامج الحكومي النهائي لم يحتفظ بجميع الوعود الرقمية الواردة في برامج الأحزاب.

وفي البرنامج الذي عرضته المنصوري أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، برزت مقاربة تستهدف تحسين انتقال الشباب من التعليم والتكوين إلى سوق العمل. فقد تحدثت رئيسة الحكومة عن وجود نحو 2,9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وعن معدل بطالة يبلغ 29,2 في المائة لدى الفئة العمرية من 15 إلى 24 سنة، وفق المعطيات المعتمدة في عرض البرنامج الحكومي.

وتعتزم الحكومة، ابتداءً من سنة 2027، تكوين 100 ألف شاب سنوياً وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب آخرين من اكتساب تجربة مهنية أولى كل سنة، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفاً و200 ألف مستفيد سنوياً، ومواكبة 60 ألف مقاولة لدعم تطورها واستمراريتها.

وتكشف هذه الأهداف أن الرهان الحكومي لا يقتصر على التوظيف المباشر، بل يشمل كذلك التأهيل المهني وتشجيع المقاولات وتحسين فرص الولوج إلى سوق العمل. غير أن التحدي الحقيقي يتمثل في ضمان انتقال المستفيدين من التكوين والتجارب المهنية إلى وظائف مستقرة، بدل الاكتفاء بحصيلة المستفيدين من البرامج.

ومن هنا، ستكون ميزانية 2027 مطالبة بإبراز الصلة بين الاعتمادات المرصودة والنتائج المنتظرة على مستوى التشغيل. فإحداث أكثر من 52 ألف منصب في القطاع العام يظل إجراءً مهماً لتلبية حاجيات المرافق العمومية، لكنه لا يكفي وحده لمعالجة بطالة الشباب أو تحقيق الأهداف المعلنة بشأن خلق فرص الشغل.

وستتوقف فعالية الاختيارات الحكومية على قدرتها على الجمع بين التوظيف العمومي والاستثمار المنتج ودعم المقاولات والتكوين المرتبط بحاجيات الاقتصاد، مع اعتماد مؤشرات واضحة لقياس الوظائف التي أُحدثت فعلياً واستمراريتها.