لكن خلف النقاش الدائر حول العودة إلى المحاكم أو مواصلة التوقف إلى غاية السابع من أكتوبر، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كانت كلفة هذا التوقف موزعة بالتساوي بين جميع المحامين؟ فالحديث عن أشهر من الاحتجاج يفتح النقاش حول واقع مهني غير متجانس. فالمحاماة في المغرب لا تمارس وفق نموذج اقتصادي واحد؛ إذ يوجد محامون يعتمد نشاطهم أساسا على الملفات الفردية والحضور اليومي أمام المحاكم، إلى جانب مكاتب أعمال تتعامل مع مقاولات ومؤسسات اقتصادية ومالية في ملفات الاستشارة القانونية والعقود والتحكيم ومواكبة العمليات التجارية. ومن هنا يطرح سؤال التضامن المهني نفسه بقوة: هل تحمل المحامي الذي توقفت مداخيله المرتبطة بالجلسات والملفات القضائية الكلفة نفسها التي تحملتها المكاتب التي تتوفر على علاقات تعاقدية مستمرة مع شركات وأبناك ومؤسسات كبرى؟ ولا تتوفر معطيات منشورة كافية تسمح بالجزم بأن مكاتب محاماة بعينها واصلت تقديم خدمات للشركات أو المؤسسات البنكية خلافا لقرارات الهيئات المهنية، ولذلك لا يمكن توجيه اتهامات دون أدلة. لكن ذلك لا يمنع من طرح السؤال حول طبيعة التضامن داخل المهنة ومدى تساوي الجميع في تحمل تبعات التوقف. فإذا كان قرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية عاما، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت آثاره الاقتصادية عامة بالقدر نفسه. المحامي الذي يعيش أساسا من المرافعات والجلسات والإجراءات اليومية قد يجد نفسه أمام تراجع مباشر في موارده، بينما قد تختلف وضعية مكتب مهني يتوفر على عقود واستشارات مستمرة مع مؤسسات اقتصادية. وهنا يظهر الفرق بين وحدة القرار وتفاوت القدرة على تحمل نتائجه. فكلما طالت مدة التوقف، أصبحت الكلفة المالية والاجتماعية أكثر حضورا، خصوصا بالنسبة إلى المحامين الشباب وأصحاب المكاتب الصغيرة والمتوسطة ومن يتحملون مصاريف الكراء والأجراء والضرائب والالتزامات المهنية والأسرية. وفي المقابل، قد تكون بعض المكاتب الكبرى أكثر قدرة على امتصاص أثر التوقف بحكم طبيعة نشاطها وتنوع زبنائها وملفاتها. غير أن تحديد ما إذا كانت هذه المكاتب قد استمرت فعليا في تقديم خدمات مهنية خلال فترة التوقف يحتاج إلى معطيات موثقة، وليس إلى افتراضات. وهذا بالضبط ما يجعل النقاش حول التضامن مشروعا. فإذا كان أصحاب البذلة السوداء مطالبين جميعا بالانضباط لقرار مهني واحد، فمن الطبيعي أن يطرح سؤال حول ما إذا كان الجميع قد تحمل فعلا الكلفة نفسها، وما إذا كانت هناك آليات تضامن لمساندة الفئات الأكثر تضررا من طول أمد الأزمة. كما يطرح الأمر سؤالا آخر حول مفهوم «التوقف عن تقديم الخدمات المهنية»: هل اقتصر التطبيق على الجلسات والإجراءات أمام المحاكم، أم شمل أيضا الاستشارات القانونية وصياغة العقود ومواكبة الشركات والمؤسسات البنكية والتجارية وغيرها من الخدمات التي يمكن أن تقدم خارج قاعات المحاكم؟ الإجابة عن هذا السؤال مهمة لفهم حجم الالتزام الجماعي، لأن قوة أي حركة احتجاجية مهنية لا ترتبط فقط بعدد المشاركين فيها، وإنما أيضا بمدى تقاسمهم للأعباء الناتجة عنها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جزء من الأصوات التي بدأت تطالب باستئناف العمل. فبعد أشهر من التوقف،
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



