حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

وضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الأولويات الاجتماعية للحكومة أمام اختبار التمويل والتنفيذ، بعدما أعلن وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، فوزي لقجع، أن الأثر الإجمالي لتنزيل الالتزامات الاجتماعية الواردة في البرنامج الحكومي يناهز 62 مليار درهم، مؤكدا أن الحكومة أوفت بالتزاماتها منذ أول مشروع قانون مالية قدمته خلال الولاية.

وخلال عرضه للمشروع أمام جلسة عمومية مشتركة بالبرلمان، الجمعة، استعرض لقجع التدابير المرتبطة بالقدرة الشرائية للأسر، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتأهيل الصحة والتعليم، وتيسير الولوج إلى السكن، إلى جانب إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة وبرنامج وطني للشباب يمتد من 2027 إلى 2031.

وفي مجال الحماية الاجتماعية، تعتزم الحكومة الرفع التدريجي للدعم الاجتماعي المباشر من 500 درهم إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية، على أن تشمل الزيادة 100 درهم خلال سنة 2027، باعتمادات تناهز ثلاثة ملايير درهم. ويرتكز التوجه الجديد، وفق ما عرضه الوزير، على اعتماد الدخل الفعلي للأسر بدل المؤشر السوسيو اقتصادي في تحديد المستفيدين من الدعم.

ويتضمن المسار نفسه تنزيل التعويض عن فقدان الشغل وتعميم التقاعد على العمال غير الأجراء، إلى جانب اتخاذ تدابير للحفاظ على التوازنات المالية لأنظمة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، عبر التحكم في تطور النفقات الطبية وتعزيز الموارد.

وفي قطاع الصحة، يرتفع الغلاف المالي إلى 45,4 مليار درهم، بزيادة تقارب ثلاثة ملايير مقارنة بسنة 2026، مع إحداث 8 آلاف منصب مالي. وستوجه هذه الموارد، بحسب الوزير، إلى مواكبة تعميم المجموعات الصحية الترابية، وإطلاق المركز الاستشفائي الجامعي الجديد بالدار البيضاء، وتسريع إنجاز وتجهيز مراكز بني ملال وكلميم والرشيدية، فضلا عن تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية و90 مستشفى.

أما قطاعات التربية والتعليم العالي والتكوين، فستستفيد من ميزانية تبلغ 121,3 مليار درهم، بزيادة قدرها 5,3 مليار درهم، إلى جانب تخصيص 17874 منصبا ماليا. وتشمل الأهداف المعلنة تعميم التعليم الأولي، وتحسين التحكم في التعلمات الأساسية، والحد من الهدر المدرسي، وتطوير مسارات بديلة للمنقطعين، فضلا عن إحداث 49 مؤسسة جامعية وافتتاح ثلاث مدن للمهن والكفاءات بجهات كلميم وادنون وفاس مكناس ودرعة تافيلالت، ودعم البحث والابتكار.

وفي السكن، خصص مشروع قانون المالية اعتمادات استثمارية بقيمة 10,4 مليار درهم لمواصلة الدعم المباشر، وتسريع برامج محاربة السكن غير اللائق، وإطلاق برنامج مندمج للسكن القروي، مع تبسيط مساطر التعمير والبناء في الوسط القروي. وأفاد لقجع بأن عدد المستفيدين من الدعم المباشر للسكن بلغ نحو 128 ألفا عند متم شتنبر 2026.

وتشمل الالتزامات أيضا إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، مع تخصيص 25 مليار درهم برسم سنة 2027. وأوضح الوزير أن الحكومة أحدثت هياكل جهوية مكلفة بالتنفيذ، وتعمل على تعزيز التتبع والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تفعيل منصة رقمية تتيح للمواطنين والفاعلين المؤسساتيين الاطلاع على برمجة المشاريع وتقدم الأشغال ومستوى الإنجاز.

وفي السياق ذاته، ستتواصل المرحلة الثانية من البرنامج الوطني للتنمية المندمجة للمراكز القروية الناشئة، التي تشمل 24 مركزا بكلفة إجمالية تبلغ 1,68 مليار درهم.

ويحظى الشباب بدوره بغلاف مالي يناهز ستة ملايير درهم ضمن البرنامج الوطني المندمج للفترة 2027-2031. ويراهن البرنامج على تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب كل سنة من تجربة مهنية أولى، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.

كما يتضمن مواكبة 12 ألف مقاولة سنويا من أجل التطور والاستمرار، عبر الاحتضان وتسهيل الولوج إلى التمويل والضمان والأسواق، بما فيها الصفقات العمومية، فضلا عن إحداث جواز للحركية المهنية لفائدة الشباب الباحثين عن فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، وإطلاق برنامج لتوفير مساكن للإيجار بأسعار مناسبة.

وفي ما يتعلق بالطبقة المتوسطة، اعتبر لقجع أن حمايتها تندرج ضمن تصور اقتصادي واجتماعي يربط الإصلاح الضريبي بجودة الخدمات الاجتماعية، وبنمو قادر على إحداث فرص الشغل وتشجيع المبادرة والمقاولة.

غير أن تنزيل هذه الالتزامات، وفق الوزير، يرتبط كذلك بإعادة تنظيم تدخل الدولة على المستوى الترابي، من خلال تعزيز صلاحيات الجهات ووسائل تنفيذها، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

ولهذا الغرض، يتجه مشروع مالية 2027 إلى تسريع تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، وتوضيح اختصاصاتها وتعزيز التنسيق والتعاقد بينها وبين الدولة، مع رفع التحويلات المالية الموجهة إليها إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من السنة المقبلة.

كما أعلن لقجع عن العمل على التفعيل الكامل للميثاق الوطني للاتمركز الإداري، عبر نقل الاختصاصات والموارد البشرية اللازمة إلى المصالح اللاممركزة، بهدف تقريب القرار من المواطنين ومعالجة الحاجيات في المجالات التي تنشأ فيها.

وبذلك، لا يقتصر الرهان الذي يطرحه مشروع قانون المالية لسنة 2027 على حجم الاعتمادات المرصودة، بل يمتد إلى قدرة المؤسسات على تحويل هذه الموارد إلى خدمات اجتماعية ملموسة، وتقليص الفوارق المجالية، وتحقيق الأهداف المعلنة في الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والسكن والتشغيل.