كشفت نتائج “البحث الوطني حول العائلة” الذي أنجزته المندوبية السامية للتخطيط في نسخته الثانية، بعد نسخة سنة 1995، عن تحولات اجتماعية وديموغرافية عميقة تمس بنية الزواج والإنجاب داخل المجتمع المغربي، في ظل تغيرات اقتصادية وقيمية تعيد رسم ملامح الأسرة.
تراجع الإقبال على الزواج
أظهرت المعطيات تراجعًا واضحًا في الرغبة في الزواج، حيث صرح 51,7% من العزاب بعدم رغبتهم في الزواج، مقابل 40,6% فقط يعبرون عن نيتهم الإقدام عليه.
وتبرز فروقات بين الجنسين، إذ تُظهر النساء ميلاً أكبر نحو الزواج بنسبة 53,6% مقابل 31,5% لدى الرجال، الذين يسجل لديهم رفض مرتفع يصل إلى 59,8%.
كما تتزايد الرغبة في الزواج مع التقدم في السن لتبلغ ذروتها بين 40 و54 سنة (56,4%)، قبل أن تتراجع بشكل كبير بعد 55 سنة (22,5%)، حيث تستقر العزوبة كنمط حياة لدى فئات واسعة.
ويظل تكوين الأسرة وإنجاب الأطفال الدافع الرئيسي للزواج لدى 78% من العزاب، مع نسب أعلى في الوسط القروي (81,8%) مقارنة بالحضري (75,4%).
إكراهات اقتصادية وتغير في اختيار الشريك
تشير النتائج إلى أن العوائق المادية تمثل السبب الأول لتأخر الزواج، خاصة لدى الرجال والفئة العمرية بين 25 و39 سنة، في حين ترتبط العوائق لدى الفئات الأصغر بالدراسة، ثم تتحول لاحقًا إلى معيقات اجتماعية وعلاقية.
أما في ما يخص اختيار الشريك، فتتصدر القيم الأخلاقية والمسؤولية بنسبة 44,7%، تليها العلاقات العاطفية بنسبة 21,2%.
ويفضل الرجال الزواج من نساء أصغر سنًا (45,7%) ومن نفس الفئة الاجتماعية (43,2%)، مع رفض كبير للزواج بغير العازبات (84,8%).
في المقابل، تفضل النساء أزواجًا أكبر سنًا أو من نفس السن، مع ميل لاختيار شريك من طبقة اجتماعية أعلى (44,9%)، ورفض مماثل للزواج بغير العزاب (84%).
تأخر سن الزواج وتراجع الزواج العائلي
سجل البحث ارتفاعًا في سن الزواج الأول ليبلغ 26,3 سنة لدى النساء و33,3 سنة لدى الرجال، مع تأخر أوضح في الوسط الحضري.
كما تراجع الزواج بين الأقارب من 29,3% سنة 1995 إلى 20,9% سنة 2025، مقابل استمرار الوساطة العائلية في 58,3% من الحالات، خاصة في الوسط القروي.
ويظل الزواج المتكافئ هو الغالب، حيث ترتبط 83% من النساء بزوج من نفس الفئة الاجتماعية، و62,5% من نفس الأصل الجغرافي.
كما ارتفعت نسبة السكن المستقل بعد الزواج إلى 55,7% مقابل 39,9% سنة 1995، ما يعكس اتجاها نحو مزيد من الاستقلالية الأسرية.
ارتفاع نسب الطلاق
سجل البحث معدل طلاق سنوي بلغ 3,6 في الألف، مع ارتفاعه لدى النساء (4,9) مقارنة بالرجال (2,4)، وفي الوسط الحضري مقارنة بالقروي.
ويبلغ خطر الطلاق ذروته خلال أول سنتين من الزواج (26,8 في الألف)، قبل أن يتراجع تدريجيًا مع مرور السنوات، بمتوسط مدة زواج قبل الطلاق يناهز 9 سنوات.
وتشير المعطيات إلى أن 58% من النساء المطلقات هن من بادرن بطلب الطلاق، فيما تُعد الخلافات المنزلية (30,9%) أبرز الأسباب، تليها الصعوبات الاقتصادية ثم النزاعات العائلية والعنف الزوجي.
وبعد الطلاق، تعيش غالبية النساء مع أسرهن (73,9%)، في حين يبقى الاستقلال السكني محدودًا، مع تسجيل هشاشة واضحة في ملف النفقة، حيث تعتبر 67,3% من النساء أن النفقة غير كافية.
تراجع الخصوبة وتغير السلوك الإنجابي
أظهر البحث استقرار معدل الخصوبة عند 1,98 طفل لكل امرأة، وهو أقل من عتبة تعويض الأجيال (2,1)، مع تفاوت واضح بين الوسط القروي (2,55) والحضري (1,7).
وتنخفض الخصوبة مع ارتفاع المستوى التعليمي والدخل والنشاط الاقتصادي، حيث تصل إلى 0,85 طفل لدى النساء النشيطات.
كما عبّرت 66,8% من النساء عن عدم رغبتهن في إنجاب طفل إضافي، بسبب إكراهات اقتصادية بالأساس (48,3%).
وتستعمل 66% من النساء وسائل منع الحمل، مع اتخاذ القرار بشكل مشترك بين الزوجين في 85,7% من الحالات، ما يعكس تحولا نحو شراكة أكبر داخل الأسرة المغربية.



