أعادت مراسلة رابطة التعليم الخاص بالمغرب إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين والتأهيل، بشأن شروط انتقاء الأطر التربوية الراغبة في اجتياز مباريات التوظيف بالتعليم العمومي، فتح النقاش حول حدود العلاقة المهنية بين المؤسسات التعليمية الخاصة والعاملين بها، ومدى التوازن بين حق هذه المؤسسات في الحفاظ على استقرار مواردها البشرية، وحق المدرسين في البحث عن فرص مهنية واجتماعية أفضل.
ففي مراسلتها المؤرخة في 4 نونبر 2026، لم تكتف الرابطة بالتنبيه إلى التداعيات المحتملة لمغادرة بعض الأطر التربوية نحو القطاع العمومي خلال الموسم الدراسي، بل التمست من الوزارة توجيه تعليماتها إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين من أجل التحقق المسبق من الوضعية المهنية للمترشحين، واعتماد تصريح والتزام منهم «بعدم ارتباطهم بأي عقد شغل ساري المفعول»، مع التأكد من صحة المعطيات قبل المصادقة على الترشيحات.
ويفتح هذا المطلب نقاشاً حول مدى إمكانية أن يصبح الارتباط المهني بمؤسسة تعليمية خاصة عائقاً أمام مدرس يرغب في اجتياز مباراة التوظيف العمومي، رغم استيفائه الشروط المطلوبة للمشاركة فيها، كما يطرح تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين حماية المصالح التنظيمية للمؤسسات واحترام الخيارات المهنية للعاملين بها.
ولا شك أن من حق مؤسسات التعليم الخصوصي الدفاع عن مصالحها والتعبير عن مخاوفها من مغادرة أساتذة تربطهم بها عقود عمل سارية، خصوصاً أن إجراء المباريات خلال الموسم الدراسي قد يضعها أمام صعوبات تنظيمية وتربوية، بالنظر إلى التزاماتها تجاه التلاميذ وأسرهم، وحاجتها إلى ضمان استمرارية التعلمات وتوفير بدائل مناسبة في حال مغادرة بعض المدرسين.
غير أن هذه الاعتبارات، على مشروعيتها، لا تلغي ضرورة مراعاة الوضعية المهنية والاجتماعية للأستاذ، ولا ينبغي أن تجعل احتياجات المؤسسة المحدد الوحيد لخياراته المستقبلية.
فاجتياز مباراة التوظيف العمومي يظل فرصة مهنية أمام المترشحين المستوفين للشروط المعلنة، كما أن الرغبة في تحسين الوضعية المهنية والاجتماعية لا يمكن التعامل معها باعتبارها إخلالاً بالالتزامات تجاه المشغل.
وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: إذا كانت مؤسسات التعليم الخصوصي حريصة على الاحتفاظ بكفاءاتها التربوية، فما الذي يجعل بعض المدرسين يتطلعون إلى الانتقال إلى القطاع العمومي؟ أليس من الضروري أن يمتد النقاش من المطالبة بالتحقق من عقود العمل إلى مساءلة شروط الاشتغال داخل هذه المؤسسات، ومدى قدرتها على توفير الأجور والتحفيزات وآفاق التطور المهني التي تشجع الأطر التربوية على مواصلة العمل بها؟
فالمنافسة على الكفاءات لا تتحقق فقط من خلال البحث عن آليات تضمن عدم مغادرتها، وإنما أساساً عبر توفير بيئة مهنية جاذبة، تقدر المجهود التربوي وتحفظ الحقوق الاجتماعية، وتمنح المدرس إحساساً بالاستقرار والتقدير.
ويقتضي ذلك اعتماد سياسة متكاملة لتثمين الموارد البشرية، تشمل تحسين الأجور وإقرار تحفيزات مادية ومعنوية مرتبطة بالخبرة والمردودية والمسؤوليات، إلى جانب إرساء مسارات واضحة للترقية والتطور المهني، وتوفير فرص منتظمة للتكوين المستمر وتطوير الكفاءات.
كما أن الاعتراف بالمجهودات التي يبذلها المدرسون، وتحسين ظروف اشتغالهم، وإشراكهم في تطوير الأداء التربوي للمؤسسات، كلها عناصر من شأنها تعزيز ارتباطهم بمحيطهم المهني.
فالمؤسسة التي تستثمر في تكوين أطرها وتحفزها وتمنحها آفاقاً للتقدم، تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بكفاءاتها من مؤسسة تكتفي بالمطالبة باستمرارها.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال أن مؤسسات التعليم الخصوصي تقدم خدماتها بمقابل مالي تؤديه الأسر من ميزانياتها الخاصة، ما يفرض عليها مسؤولية في تحقيق التوازن بين جودة الخدمات التربوية والوفاء بالتزاماتها تجاه العاملين بها.
فالاستثمار في التعليم لا يقتصر على البنيات والتجهيزات والفضاءات المدرسية، بل يشمل أيضاً الاستثمار في المدرس وتحسين وضعيته المهنية والاجتماعية، باعتباره أحد أهم مرتكزات جودة العملية التعليمية واستمراريتها.
ومن جهة أخرى، فإن النقاش الذي أثارته مراسلة الرابطة يستدعي التمييز بين مطلب التحقق من الوضعية المهنية والتعاقدية للمترشحين، وبين اعتماد عدم الارتباط بعقد شغل كشرط إضافي للمشاركة في المباريات.
فالأمر يطرح تساؤلات حول الأساس القانوني لهذا المقترح ومدى انسجامه مع شروط الترشيح التي تحددها الوزارة، ومع مبدأ تكافؤ الفرص أمام الراغبين في الولوج إلى الوظيفة العمومية.
كما أن معالجة الإشكال المرتبط بتوقيت المباريات يمكن أن تتم من خلال تدبير زمني وتنظيمي يراعي استمرارية الدراسة والتزامات المؤسسات، مع البحث عن آليات تضمن انتقالاً مهنياً منظماً، دون إغفال حقوق المترشحين أو الإضرار بمصالح التلاميذ وأسرهم.
إن الحفاظ على استقرار مؤسسات التعليم الخصوصي هدف مشروع، مثلما أن تطلع المدرسين إلى تحسين أوضاعهم المهنية والاجتماعية حق ينبغي مراعاته.
ولذلك، فإن المطلوب هو البحث عن مقاربة متوازنة تستحضر مصالح المؤسسات التعليمية وحقوق الأطر التربوية ومصلحة التلاميذ وأسرهم، بعيداً عن تحميل طرف واحد مسؤولية معالجة إشكال يرتبط بتنظيم القطاع وشروط العمل داخله.
فالأستاذ، إلى جانب رسالته التربوية ومسؤوليته تجاه المتعلمين، له طموحات مهنية والتزامات أسرية، ويحتاج إلى دخل وظروف اشتغال تتيح له ضمان الاستقرار والعيش الكريم.
ومن ثم، فإن قدرة التعليم الخصوصي على الاحتفاظ بكفاءاته ستظل مرتبطة بمدى نجاحه في توفير أجور منصفة، وتحفيزات مناسبة، وفرص للترقية والتكوين المستمر، بما يجعل الاستمرار فيه اختياراً قائماً على الرضا والتطور المهني المتبادل.
وفي النهاية، فإن استقرار المؤسسات التعليمية وتحسين أوضاع المدرسين ليسا هدفين متعارضين، بل مسؤوليتان متكاملتان، يظل تحقيقهما رهيناً بإرساء علاقة مهنية متوازنة تضمن للمؤسسات استمرارية خدماتها، وللأستاذ حقوقه وتطلعاته، وللتلاميذ حقهم في تعليم مستقر وذي جودة.



