يستعد مطار محمد الخامس بالدار البيضاء لدخول مرحلة جديدة في منظومة النقل بالمغرب، مع مشروع ربطه بشبكة القطار فائق السرعة ضمن امتداد الخط السككي بين القنيطرة ومراكش، في خطوة من شأنها إعادة رسم خريطة التنقل بين المطار وعدد من المدن الكبرى.
ولا يتعلق المشروع فقط بإيصال القطار إلى أكبر بوابة جوية للمملكة، بل بإرساء قطب متعدد الوسائط يسمح للمسافر بالانتقال بصورة أكثر سلاسة بين الطائرة والقطار، ويجعل المطار جزءا مباشرا من شبكة التنقل الوطنية.
ووفق المعطيات المرتبطة بالمشروع، يرتقب أن يسمح الخط الجديد بربط الرباط بمطار محمد الخامس في حوالي 35 دقيقة، بينما يمكن تقليص مدة الرحلة بين مراكش والمطار إلى نحو 55 دقيقة.
ويمثل هذا التحول نقلة مهمة بالنسبة للمسافرين، إذ يمكن مستقبلا للقادم جوا إلى الدار البيضاء مواصلة رحلته نحو الرباط أو مراكش عبر القطار دون الحاجة إلى المرور عبر وسط المدينة أو الاعتماد حصريا على وسائل النقل الطرقي.
لكن نجاح هذه المنظومة يطرح تحديا يتجاوز البنية التحتية، ويتمثل في مدى القدرة على تحقيق تكامل تجاري وتشغيلي بين الرحلة الجوية والسككية، بما في ذلك إمكانية تطوير تذكرة موحدة تجمع القطار والطائرة داخل مسار سفر واحد.
فالمسافر الذي يشتري رحلته من مدينة مغربية إلى وجهة دولية عبر مطار محمد الخامس يحتاج، في نموذج النقل المتكامل، إلى وضوح بشأن مسؤولية كل متدخل في حال تأخر القطار أو الرحلة الجوية وضياع عملية الربط.
وهنا تبرز أهمية التنسيق بين المكتب الوطني للسكك الحديدية والمكتب الوطني للمطارات وشركات الطيران، وفي مقدمتها الخطوط الملكية المغربية، من أجل بناء تجربة سفر لا تقتصر على وجود القطار بجانب المطار، وإنما تجعل الوسيلتين جزءا من رحلة مترابطة.
والتحدي الأساسي سيكون في وضع إطار تعاقدي وتجاري واضح يحدد كيفية التعامل مع التأخير وإعادة الحجز والأمتعة والمعلومات المقدمة للمسافر، خصوصا عندما تكون تذكرة القطار مرتبطة برحلة جوية محددة.
كما يمكن للتكامل بين القطار والطائرة أن يعزز جاذبية مطار محمد الخامس كمركز للربط الدولي، عبر توسيع مجال استقطابه ليشمل مدنا وجهات يمكن الوصول منها إلى المطار بسرعة بواسطة الشبكة السككية.
وبالنسبة للرباط ومراكش ومدن أخرى مرتبطة مستقبلا بالشبكة فائقة السرعة، فإن المطار سيصبح أقرب زمنيا، ما قد يقلل الاعتماد على السيارة في جزء من الرحلات ويمنح المسافرين خيارات إضافية للوصول إلى الرحلات الدولية.
ويكتسي المشروع بعدا إضافيا في أفق كأس العالم 2030، حيث سيكون المغرب أمام تدفقات كبيرة للمسافرين بين المطارات والمدن والملاعب والفنادق، ما يجعل الربط بين مختلف وسائل النقل أحد عناصر نجاح منظومة التنقل خلال التظاهرة.
كما أن المشروع يمكن أن ينعكس على النشاط السياحي والاستثماري للجهات، لأن تقليص زمن الوصول من المطار إلى المدن لا يمثل مجرد تحسين لخدمة النقل، بل يساهم أيضا في تعزيز جاذبية الوجهات وتقريبها من الأسواق الدولية.
ويبقى الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة هو الانتقال من مفهوم “محطة قطار داخل المطار” إلى مفهوم “رحلة متكاملة”، حيث يستطيع المسافر التخطيط لمساره وحجزه والحصول على المعلومات والتعامل مع أي اضطراب ضمن منظومة مترابطة.
ومع وصول القطار فائق السرعة إلى مطار محمد الخامس، سيكون المغرب أمام فرصة لتطوير نموذج جديد للتنقل يجمع بين السكك الحديدية والطيران، لكن نجاحه الكامل سيقاس بمدى قدرة المؤسسات المعنية على جعل تجربة المسافر بسيطة ومترابطة منذ نقطة الانطلاق وحتى الوجهة النهائية.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



