حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

يتجه قطاع النقل البحري بين المغرب وإسبانيا نحو مرحلة جديدة، مع التحضير لتجديد تراخيص استغلال عدد من الخطوط البحرية الاستراتيجية عبر مضيق جبل طارق، في خطوة تضع طنجة مجدداً في قلب منظومة الربط بين المملكة وأوروبا، وتفتح الباب أمام تعزيز المنافسة والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمسافرين.

ويكتسي هذا الورش أهمية خاصة بالنسبة لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها موانئ الجهة في حركة المسافرين والمركبات والتبادل التجاري بين المغرب والضفة الأوروبية، فضلاً عن الدور المتزايد الذي أصبحت تلعبه المنطقة باعتبارها إحدى أهم البوابات الاقتصادية واللوجستيكية للمملكة.
ويهم تجديد التراخيص بشكل خاص الخطوط البحرية التي تؤمن الربط بين طنجة والجنوب الإسباني، وفي مقدمتها محور طنجة المتوسط–الجزيرة الخضراء وخط طنجة المدينة–طريفة، وهما مساران يشكلان جزءاً أساسياً من حركة التنقل اليومية والموسمية بين البلدين.
ولا يتعلق الأمر فقط بمنح تراخيص جديدة أو تجديد أخرى قائمة، بل بإعادة تقييم العرض البحري ومدى قدرته على الاستجابة للتحولات التي تعرفها حركة السفر بين المغرب وأوروبا، خاصة مع الارتفاع الكبير في أعداد المسافرين خلال فصل الصيف وعملية «مرحبا»، حيث تتحول موانئ الشمال إلى نقطة عبور رئيسية لمئات الآلاف من مغاربة العالم وعائلاتهم.
ومن شأن تعزيز المنافسة بين الشركات البحرية أن يشكل فرصة لتحسين جودة الخدمات، شريطة أن تنعكس هذه المنافسة بشكل مباشر على المسافر من خلال أسعار أكثر توازناً، واحترام مواعيد الإبحار والوصول، وتوفير سفن حديثة ومريحة، والرفع من عدد الرحلات خلال فترات الضغط.
فالرهان بالنسبة للمواطن لا يتعلق باسم الشركة التي ستفوز بحق استغلال هذا الخط أو ذاك بقدر ما يتعلق بنوعية الخدمة التي سيحصل عليها، خاصة أن المسافر عبر المضيق يواجه في بعض فترات الذروة ارتفاعاً في الأسعار وضغطاً على الحجوزات وانتظاراً طويلاً، وهي تحديات ينبغي أن تكون حاضرة في أي تصور جديد لتنظيم القطاع.
كما أن أهمية النقل البحري تتجاوز حركة الأشخاص لتلامس الاقتصاد المحلي لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، إذ تستفيد قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والخدمات من التدفقات الكبيرة للمسافرين، بينما يعزز النشاط البحري واللوجستي جاذبية المنطقة للاستثمارات الوطنية والدولية.
وأصبحت طنجة خلال السنوات الأخيرة أكثر من مجرد مدينة عبور، بعدما رسخت موقعها كقطب صناعي ولوجستي وسياحي متكامل، مدعومة بميناء طنجة المتوسط وشبكة الطرق السيارة والقطار فائق السرعة والمناطق الصناعية واللوجستيكية، ما يجعل تطوير الربط البحري امتداداً طبيعياً لهذه الدينامية.
ويزداد هذا الرهان أهمية مع الاستعدادات التي تعرفها المملكة للسنوات المقبلة، وفي مقدمتها المشاريع المرتبطة بتطوير البنيات التحتية والنقل وتعزيز الربط الدولي، إلى جانب الاستعداد المشترك للمغرب وإسبانيا والبرتغال لتنظيم كأس العالم 2030، وهو موعد سيجعل انسيابية التنقل بين ضفتي المضيق عنصراً أساسياً ضمن منظومة النقل الإقليمية.
ومن منظور جهوي، فإن تطوير النقل البحري ينبغي ألا ينحصر في زيادة عدد الرحلات، بل يتطلب رؤية متكاملة تربط الموانئ بباقي وسائل النقل، وتحسن ظروف استقبال المسافرين وتدبير حركة المركبات، وتضمن استفادة الاقتصاد المحلي من الموقع الاستراتيجي للجهة.
وبين تجديد التراخيص ودخول المنافسة مرحلة جديدة، يبقى الامتحان الحقيقي هو ما سيشعر به المسافر على أرض الواقع. فإذا انعكست هذه التحولات على الأسعار وجودة السفن وانتظام الرحلات وسرعة العبور، فإن المستفيد لن يكون قطاع النقل البحري وحده، بل جهة طنجة-تطوان-الحسيمة والاقتصاد الوطني عموماً.