التقسيم الإداري يعود إلى الواجهة.. هل تتغير خريطة العمالات والأقاليم قبل انتخابات شتنبر؟
عاد النقاش حول التقسيم الإداري والترابي للمملكة إلى الواجهة، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر، وسط مطالب متجددة بإعادة النظر في الوضع الإداري لعدد من المدن والمراكز التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات سكانية وعمرانية واقتصادية متسارعة.
وبالنسبة لموقع «جهات»، فإن هذا النقاش يتجاوز مسألة تغيير الحدود أو إحداث وحدات إدارية جديدة، ليطرح سؤالاً أساسياً حول مدى قدرة الخريطة الإدارية الحالية على مواكبة التحولات التي تعرفها مختلف جهات المملكة، ومدى انعكاس أي تعديل محتمل على جودة الخدمات العمومية والاستثمار والتنمية المحلية.
فعدد من المدن والمراكز التي كانت إلى وقت قريب ذات امتداد محدود، تحولت اليوم إلى تجمعات سكانية وعمرانية كبيرة، بينما أصبحت مناطق أخرى تستقطب استثمارات ومشاريع صناعية وسياحية ولوجستيكية مهمة، الأمر الذي يجعل تقييم وضعها الإداري مسألة مرتبطة بالتخطيط للمستقبل أكثر من ارتباطها بمجرد تغيير في التسميات أو الحدود.
وتستند المطالب بإحداث عمالات أو أقاليم جديدة أساساً إلى ضرورة تقريب الإدارة من المواطن وتخفيف الضغط عن بعض الوحدات الترابية التي أصبحت تدبر مجالات واسعة أو كثافة سكانية مرتفعة، إضافة إلى الحاجة إلى تسريع معالجة الملفات الإدارية ومواكبة المشاريع الاستثمارية وتحسين التنسيق بين مختلف المصالح.
غير أن توقيت عودة هذا النقاش، قبيل الاستحقاقات الانتخابية، يفرض التمييز بين المطالب التنموية الحقيقية وبين الوعود التي قد تتحول إلى مادة للاستهلاك الانتخابي. فالتقسيم الإداري ليس امتيازاً سياسياً يمنح لهذه المدينة أو تلك، وإنما أداة من أدوات الدولة لتنظيم المجال وضمان فعالية الإدارة وتحقيق التوازن بين مختلف المناطق.
كما أن إحداث عمالة أو إقليم جديد لا يعني بالضرورة تحقيق التنمية بشكل تلقائي، لأن نجاح أي وحدة إدارية يظل مرتبطاً بما تتوفر عليه من موارد بشرية وإمكانات مالية وبنيات صحية وتعليمية وطرقية وأمنية وإدارية، فضلاً عن قدرتها على استقطاب الاستثمار وخلق فرص الشغل.
ومن هنا، فإن أي مراجعة مستقبلية للخريطة الإدارية ينبغي أن تقوم على معايير موضوعية، في مقدمتها عدد السكان والكثافة الديمغرافية والامتداد الجغرافي ومستوى النشاط الاقتصادي وحجم الاستثمارات وبعد المواطنين عن المراكز الإدارية، إلى جانب طبيعة التحولات العمرانية التي يعرفها كل مجال ترابي.
ويرتبط هذا الملف كذلك بمستقبل الجهوية المتقدمة، لأن المغرب اختار منذ سنوات جعل الجهة فضاء أساسياً للتنمية والتخطيط، وبالتالي فإن إعادة تقييم التقسيم الإداري ينبغي أن تنسجم مع هذا الاختيار وألا تؤدي إلى تضخم إداري لا يقابله تحسن ملموس في الخدمات المقدمة للمواطن.
ومع اقتراب انتخابات شتنبر، قد تتزايد الأصوات المطالبة بترقية عدد من المدن والمراكز إلى عمالات أو أقاليم، وقد يدخل الموضوع أيضاً ضمن النقاش السياسي المحلي، غير أن المطلوب هو إخراجه من الحسابات الانتخابية الضيقة ووضعه داخل رؤية وطنية بعيدة المدى.
فالغاية ليست زيادة عدد العمالات والأقاليم على الخريطة، وإنما بناء إدارة ترابية أكثر قرباً وفعالية، قادرة على الاستجابة للتحولات التي يعرفها المغرب وعلى ضمان نصيب عادل لكل جهة وإقليم من الاستثمار والخدمات العمومية وفرص التنمية.
إن إعادة النظر في التقسيم الإداري، متى توفرت مبرراتها الموضوعية، يمكن أن تشكل فرصة لتعزيز العدالة المجالية وتقريب القرار من المواطن، لكن نجاحها يظل رهيناً بسؤال جوهري: هل ستنتج حدوداً إدارية جديدة فقط، أم ستنتج فعلاً تنمية جديدة يشعر بها المواطن في حياته اليومية?



