تحتل جهة الشرق موقعاً استراتيجياً متميزاً في الخريطة الترابية للمملكة، باعتبارها فضاءً يجمع بين الواجهة المتوسطية والعمق القاري، ويتوفر على تنوع جغرافي وبشري واقتصادي يمنحها مكانة خاصة ضمن جهات المغرب.
تمتد الجهة على مساحة تناهز 90 ألف كيلومتر مربع، أي حوالي 12.7 في المائة من مساحة المملكة، وتضم عمالة وجدة-أنجاد وأقاليم الناظور وبركان وتاوريرت وجرادة والدريوش وفجيج وجرسيف، في مجال ترابي واسع يجمع الساحل والجبال والسهوب والواحات والمناطق الداخلية.
وتشكل وجدة القلب الإداري والحضري للجهة، بينما تبرز الناظور كقطب اقتصادي ولوجستي متنام، وبركان كمنطقة ذات أهمية فلاحية وتجارية، إلى جانب أدوار متفاوتة لباقي الأقاليم وفق خصوصياتها ومؤهلاتها المحلية.
ويمنح الموقع الجغرافي لجهة الشرق قيمة استراتيجية كبيرة، فهي تطل على البحر الأبيض المتوسط وتقع بالقرب من الأسواق الأوروبية، كما يمكن لموقعها أن يعزز دورها مستقبلاً في الربط بين المغرب ومحيطه المتوسطي والإفريقي.
وتتوفر الجهة على قاعدة فلاحية مهمة، خصوصاً في منطقة بركان، إلى جانب إنتاج الزيتون والحبوب وتربية الماشية ومختلف الأنشطة الزراعية في عدد من الأقاليم، غير أن تطوير هذا القطاع يظل مرتبطاً بتحدي الموارد المائية وتحديث طرق الإنتاج والري ومواجهة آثار التغيرات المناخية.
وتبرز السياحة بدورها ضمن المؤهلات الأساسية للشرق، بفضل الشريط الساحلي المتوسطي الممتد عبر عدد من مناطق الجهة، إلى جانب السعيدية التي تعد من أشهر الوجهات الشاطئية بالمملكة، فضلاً عن المؤهلات الطبيعية والجبلية والواحات والتراث التاريخي والثقافي الذي تزخر به وجدة وفجيج وبركان وجرادة وغيرها من المناطق.
ويحتاج القطاع السياحي إلى تنويع أكبر للعرض حتى لا يظل مرتبطاً أساساً بالموسم الصيفي، من خلال تطوير السياحة الثقافية والقروية والبيئية وسياحة الأعمال وتشجيع الاستثمار في الإيواء والترفيه والخدمات.
وتتميز جهة الشرق كذلك بعلاقات قوية مع مغاربة العالم، بالنظر إلى وجود جالية مهمة تنحدر من أقاليمها وتعيش في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما يجعل هذه الفئة شريكاً محتملاً في التنمية وليس فقط مصدراً للتحويلات المالية أو الحركة السياحية الصيفية.
ويمكن للاستفادة من خبرات وكفاءات مغاربة العالم ورؤوس أموالهم وشبكاتهم المهنية أن تفتح أمام الجهة فرصاً جديدة لإحداث المقاولات وجذب المشاريع وربط الاقتصاد المحلي بصورة أكبر بالأسواق الأوروبية.
كما يمثل العنصر البشري ركيزة أساسية في مستقبل الجهة، بفضل المؤسسات الجامعية ومراكز التكوين والكفاءات الشابة، غير أن التحدي يظل في تحقيق توافق أكبر بين التكوين وحاجيات سوق الشغل وفتح المجال أمام الشباب للمبادرة والاستثمار.
وتواجه جهة الشرق، في المقابل، تحديات مرتبطة بالتشغيل وتقليص الفوارق المجالية وتحسين الخدمات وتدبير الموارد المائية وتعزيز جاذبية بعض المناطق للاستثمار.
ومن وجدة إلى الناظور، ومن بركان إلى جرادة وتاوريرت وجرسيف والدريوش وفجيج، تقدم جهة الشرق صورة لمغرب متعدد المؤهلات، يحتاج إلى تثمين موارده وربط أقاليمه بصورة أكبر بالدينامية الاقتصادية الوطنية.
فالشرق ليس مجرد موقع جغرافي في أقصى المملكة، وإنما مجال استراتيجي يمتلك المقومات البشرية والطبيعية والاقتصادية التي تسمح له بأن يصبح أحد الأقطاب الرئيسية للتنمية والانفتاح المتوسطي للمغرب.



