لم يعد السؤال الذي يطرحه المغربي أمام واجهة محل الجزارة هو لماذا ارتفع سعر اللحم، بل كيف أصبح الوصول إلى قطعة منه عبئاً حقيقياً على ميزانية أسرة عادية. فعندما يقترب سعر كيلوغرام لحم الغنم في بعض نقاط البيع من مستويات تناهز 170 درهماً، لا تعود المسألة مجرد حركة عابرة في السوق، وإنما تتحول إلى قضية اجتماعية واقتصادية تستحق تفكيك الرحلة كاملة، من الحظيرة التي يغادرها الحيوان إلى الميزان الذي يستقبل اللحم أمام المستهلك.
بين المربي والجزار توجد مسافة تبدو قصيرة على الخريطة، لكنها طويلة جداً في حساب الأسعار. ففي كل محطة يدخل فاعل جديد، وتضاف كلفة جديدة، ويتسع الهامش، إلى أن يصل المنتج إلى المواطن بثمن قد يصعب عليه فهم الطريقة التي تكوّن بها.
المربي نفسه ليس بالضرورة المستفيد الأكبر من هذا الارتفاع. سنوات الجفاف وتراجع المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف وتكاليف الماء والطاقة والعلاج البيطري والنقل وضعت عدداً من الكسابة أمام معادلة صعبة. الاحتفاظ بالقطيع أصبح مكلفاً، والإنتاج لم يعد يتم بالشروط نفسها التي كانت سائدة قبل سنوات، فيما تراجعت قدرة بعض صغار المربين على تحمل دورات طويلة من الخسائر.
لكن ارتفاع كلفة الإنتاج لا يقدم وحده جواباً كاملاً عن الثمن الذي يصل إلى المستهلك.
فالحيوان عندما يغادر الضيعة قد يمر عبر أكثر من يد قبل الوصول إلى المجزرة. هناك من يشتري من المربي، ومن يجمع أعداداً من رؤوس الماشية، ومن ينقلها إلى الأسواق، ومن يعيد بيعها، ثم تأتي تكاليف الذبح والنقل والتبريد والتوزيع قبل أن يصل اللحم في النهاية إلى محل الجزارة.
في كل حلقة من هذه السلسلة توجد كلفة مشروعة وربح مشروع، لكن السؤال الذي يحتاج إلى جواب واضح هو أين تنتهي الكلفة وأين تبدأ المضاربة?



