حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

حرارة فوق الحقول.. الفلاحة المغربية في مواجهة صيف يغير قواعد الإنتاج

لم تعد موجات الحر في المغرب مجرد أرقام مرتفعة تعلنها نشرات الطقس وتنتهي بانخفاض درجات الحرارة بعد أيام. حين تتجاوز الحرارة معدلاتها المعتادة، فإن ما يحدث في المدن ليس سوى الجزء الظاهر من الصورة، أما القصة الأكثر قسوة فتكتب بعيداً عن الإسفلت، في الحقول والضيعات، حيث يمكن لبضع درجات إضافية أن تغير مصير موسم كامل، وأن تنتقل آثارها بعد أسابيع من الأرض مباشرة إلى أسعار الأسواق وموائد الأسر المغربية.

الصيف القاسي يضع الفلاح أمام معادلة شديدة التعقيد. النبات يحتاج إلى الماء في اللحظة التي تصبح فيها المياه أكثر ندرة، والتربة تفقد رطوبتها بسرعة أكبر، والأشجار تدخل تحت ضغط حراري متواصل، بينما ترتفع كلفة السقي والطاقة واليد العاملة. وفي النهاية يصبح المنتج مطالباً بالحفاظ على المحصول في ظروف لم تعد تشبه كثيراً تلك التي عرفتها الفلاحة المغربية قبل سنوات.

الخطر لا يرتبط بالحرارة وحدها، بل بتزامنها مع الإجهاد المائي. فعندما ترتفع درجات الحرارة بشكل حاد، يزداد تبخر المياه وتحتاج الزراعات إلى كميات أكبر للحفاظ على توازنها. وإذا لم تتوفر المياه في الوقت المناسب، تبدأ التأثيرات في الظهور على نمو النباتات وجودة الثمار وحجم الإنتاج، وقد تصل في بعض الحالات إلى خسارة جزء من المحصول قبل أن يجد طريقه إلى السوق.

وهنا يصبح السؤال أبعد من معرفة درجة الحرارة المسجلة اليوم في مدينة ما. السؤال الحقيقي هو: ماذا سيحدث للإنتاج بعد أسابيع؟

من سوس ماسة إلى مراكش آسفي، ومن بني ملال خنيفرة إلى فاس مكناس والشرق والسهول الزراعية في مناطق أخرى، تختلف طبيعة الزراعات وموارد المياه، لكن التحدي واحد تقريباً. كل موجة حر طويلة تضع الأشجار المثمرة والخضراوات والزراعات الموسمية أمام اختبار جديد، وتجعل الفلاح يحسب ليس فقط كمية المحصول التي سينتجها، وإنما الكلفة التي سيدفعها حتى يحافظ عليه حياً.

والفلاح الصغير هو الأكثر عرضة لهذه التحولات. فالضيعات الكبرى قد تتوفر على تقنيات متقدمة للسقي وعلى إمكانات مالية تسمح لها بالتكيف نسبياً مع الظروف الصعبة، بينما يعمل آلاف الفلاحين بإمكانات محدودة، وقد يكون ارتفاع كلفة ضخ المياه أو انخفاض منسوب بئر أو تلف جزء من المحصول كافياً لإرباك توازنهم المالي طوال الموسم.

لهذا فإن الحديث عن موجات الحر لا ينبغي أن يبقى محصوراً في التحذير من التعرض للشمس أو تجنب الخروج في ساعات الذروة. هناك اقتصاد كامل يتحرك تحت هذه الحرارة، وهناك أسر تعيش مباشرة من الأرض، وهناك سلسلة طويلة تبدأ من الفلاح ولا تنتهي إلا عند المستهلك.

وحين ينخفض الإنتاج، لا تختفي الخسارة داخل الضيعة. إنها تتحرك عبر سلسلة التوزيع إلى أسواق الجملة ثم محلات التقسيط، لتظهر في النهاية على شكل دراهم إضافية يدفعها المواطن مقابل كيلوغرام من الخضر أو الفواكه.

وهنا تتقاطع أزمة المناخ مع أزمة القدرة الشرائية.

فالمستهلك الذي يسأل عن سبب ارتفاع سعر منتج زراعي قد لا يرى العلاقة المباشرة بين موجة حر حدثت قبل أسابيع وبين الثمن الذي يجده أمامه اليوم. لكن السوق الزراعية شديدة الحساسية لما يحدث في الحقول، وأي تراجع في العرض، خاصة في المنتجات سريعة التلف، يمكن أن ينعكس على الأسعار، وإن كانت عوامل الوساطة والنقل والتخزين والتوزيع تظل بدورها جزءاً أساسياً من معادلة تحديد الثمن النهائي.

المغرب ليس غريباً عن الجفاف ولا عن الحرارة، فقد تشكلت الزراعة تاريخياً في مناخ يعرف سنوات جيدة وأخرى صعبة. الجديد هو تواتر الظواهر القصوى وحدتها، وما تفرضه من ضرورة الانتقال من التعامل مع كل موجة باعتبارها ظرفاً استثنائياً إلى بناء نموذج فلاحي أكثر قدرة على التكيف معها.

وهنا يصبح الماء في قلب كل شيء.

لقد دخل المغرب خلال السنوات الأخيرة مرحلة مختلفة في تدبير موارده المائية، مع توسع مشاريع تحلية مياه البحر والربط بين الأحواض والسدود وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، إلى جانب برامج ترشيد الاستهلاك. لكن التحدي الزراعي يظل ضخماً، لأن الفلاحة من أكثر القطاعات ارتباطاً بالماء، ولأن الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن الأمن المائي.

المعادلة الدقيقة هي كيف يمكن إنتاج غذاء كافٍ والحفاظ على نشاط اقتصادي يشغل أعداداً كبيرة من المواطنين دون استنزاف مورد أصبح أكثر ندرة.

وهذه المعادلة تفرض أيضاً إعادة النظر في اختيار الزراعات وفق خصوصية كل منطقة، وفي طرق السقي، ومواعيد الزراعة، والأصناف الأكثر مقاومة للحرارة والجفاف، فضلاً عن الاستثمار في البحث الزراعي والإنذار المبكر والتقنيات التي تسمح للفلاح بمعرفة حاجة التربة الفعلية للماء بدلاً من السقي وفق عادات قديمة لم تعد مناسبة للمناخ الجديد.

فالحديث عن الفلاحة الذكية مناخياً لا ينبغي أن يبقى مصطلحاً في التقارير والندوات. يجب أن يصل إلى الفلاح داخل الحقل، في صورة معلومة واضحة وتقنية متاحة وتمويل يمكنه تحمله ومواكبة تساعده على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.

كما أن المسؤولية لا يمكن تحميلها للفلاح وحده. فحين يصبح المناخ أكثر قسوة، يصبح التخطيط الزراعي قضية وطنية تتداخل فيها سياسات الماء والطاقة والاستثمار والتجارة والأسعار والحماية الاجتماعية.

المطلوب ليس إنقاذ محصول واحد بعد موجة حر، وإنما حماية القدرة الإنتاجية للأرض لسنوات مقبلة.

وقد يكون التحدي الأكبر هو إيجاد التوازن بين الفلاحة الموجهة إلى التصدير وحاجيات السوق الداخلية. فنجاح المنتجات المغربية في الأسواق الدولية مكسب اقتصادي مهم، لكن الأمن الغذائي للمواطن يظل بدوره أولوية، خصوصاً في الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج أو ترتفع فيها كلفة الماء والطاقة.

المناخ لا ينتظر القرارات الإدارية، ولا يفاوض على موعد الموسم الزراعي. وحين تصل موجة الحر، يجد الفلاح نفسه في المواجهة الأولى، بينما تظهر النتائج لاحقاً في الأسواق.

لهذا فإن الأرقام التي تظهر اليوم على شاشات توقعات الطقس ينبغي قراءتها أيضاً باعتبارها مؤشرات اقتصادية واجتماعية.

خلف كل درجة إضافية قد توجد كمية أكبر من المياه يحتاجها حقل، وشجرة تفقد جزءاً من ثمارها، وفلاح ترتفع تكاليفه، وسوق يستقبل كمية أقل من المنتوج، ومستهلك قد يدفع ثمناً أعلى.

لقد أصبح السؤال اليوم يتجاوز ما إذا كان المغرب سيعرف موجات حر جديدة، فذلك بات جزءاً من واقع مناخي متغير. السؤال الأكثر أهمية هو مدى استعداد فلاحتنا للعيش معها دون أن يتحول كل صيف شديد الحرارة إلى فاتورة يؤدي ثمنها الفلاح في أرضه والمواطن في سوقه.