لم تعد الهجرة غير النظامية نحو سبتة ومليلية مجرد مشاهد لشبان يركضون في اتجاه السياج أو يغامرون بأجسادهم في البحر. خلف الصورة التي تصل إلى الجمهور في دقائق، توجد قصة أطول وأكثر قسوة، تبدأ أحياناً من هاتف محمول في يد قاصر، ومن منشور مجهول يعده بأن الطريق إلى أوروبا قد يُفتح في يوم وساعة محددين.
وخلال الأيام الأخيرة، عادت الدعوات المتداولة عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى إثارة القلق، بعدما حمل بعضها رسائل تحرض على التوجه نحو شمال المملكة ومحاولة العبور الجماعي. وبينما رفعت السلطات درجة اليقظة لمواجهة أي تحركات من هذا النوع، يظل السؤال الأخطر بعيداً عن الحواجز الأمنية: من يقنع هؤلاء القاصرين بأن أوروبا تنتظرهم خلف السياج؟
القضية أكبر من محاولة عبور حدود. نحن أمام أطفال ومراهقين قد يقطع بعضهم مئات الكيلومترات من مدن داخلية قبل الوصول إلى طنجة أو تطوان أو الفنيدق والناظور. بعضهم لا يملك تصوراً واضحاً لما سيحدث بعد الوصول، ولا يعرف طبيعة المخاطر التي تنتظره في الطريق. كل ما يحمله حلم سريع صنعته صور ومقاطع فيديو وحكايات نجاح مبتورة، ورسائل تتناقلها الهواتف وكأن العبور موعد جماعي لا يحتاج سوى الوصول في الوقت المناسب.
وهنا تبدأ مسؤولية من يصنع الوهم.
في الماضي، كانت شبكات الهجرة غير النظامية تحتاج إلى وسطاء يجوبون الأحياء والمقاهي ويبحثون عن الراغبين في الرحيل. اليوم تغير المشهد. هاتف صغير يستطيع الوصول إلى آلاف الشباب في لحظات، وحساب مجهول يمكنه أن يحدد مكاناً وموعداً وينشر رسالة تحريضية، ثم يختفي صاحبها تاركاً خلفه مراهقين يعتقدون أن آلاف الأشخاص سيتحركون معهم وأن كثرة العدد ستجعل العبور ممكناً.
إنها صيغة جديدة من صناعة المخاطرة؛ المحرض قد يكون بعيداً عن الحدود، بينما من يدفع الثمن يوجد في الصفوف الأولى.
الأكثر إثارة للقلق أن القاصر يمثل الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فهو أكثر قابلية للتأثر بالمقاطع التي تقدم الهجرة باعتبارها طريقاً مختصراً نحو المال والحرية والحياة الجديدة، وأقل قدرة على تقدير ما يمكن أن يحدث خلال محاولة عبور سياج أو السباحة في مياه مضيق لا يرحم أو التدافع وسط مجموعة كبيرة من الأشخاص.
وقد يصل بعض هؤلاء إلى الشمال دون مال يكفي للعودة، فيجدون أنفسهم في الشوارع أو المحطات، معرضين للاستغلال والجوع والعنف، وربما في قبضة أشخاص يدركون جيداً كيف يستثمرون هشاشة طفل بعيد عن أسرته.
لهذا فإن التعامل مع الظاهرة باعتبارها ملفاً أمنياً فقط لن يكون كافياً.
من الضروري منع محاولات العبور التي تعرض حياة الأشخاص للخطر، لكن الضرورة نفسها تفرض البحث عمن يقف وراء الدعوات التي تدفع بهم إلى هناك. من أنشأ الحسابات؟ من أطلق الموعد؟ هل نحن أمام مبادرات عشوائية لمراهقين يبحثون عن إثارة رقمية، أم شبكات منظمة تدرك ما تفعله؟ وهل توجد مصالح مالية أو إجرامية تستفيد من خلق موجات بشرية على الحدود؟
إن تحديد المسؤولية يبدأ من الهاتف قبل أن يصل إلى السياج.
كما يطرح الملف أسئلة صعبة على الأسر. كيف يستطيع قاصر مغادرة مدينته وقطع مئات الكيلومترات دون أن يلاحظ أحد غيابه؟ ومن أين يحصل على المال اللازم للنقل والطعام؟ وكيف يمكن للمدرسة والأسرة والحي أن تكتشف مبكراً أن طفلاً أصبح مقتنعاً بأن مستقبله الوحيد يوجد في الجهة الأخرى من البحر؟
لا توجد إجابات سهلة، لأن الرغبة في الهجرة لا تولد من منشور على مواقع التواصل وحده. المنشور قد يشعل الشرارة، لكنه يجد أرضاً جاهزة لدى شاب يشعر بأن مستقبله ضيق وأن الصورة التي يشاهدها عن أوروبا أكثر جاذبية من واقعه اليومي.
وهنا تصبح مواجهة الظاهرة أكثر تعقيداً.
إزالة المنشورات وإغلاق الحسابات المحرضة أمر ضروري، وملاحقة من يعرض حياة القاصرين للخطر مسؤولية لا تحتمل التساهل، لكن السؤال الذي سيعود بعد كل حملة أمنية هو: لماذا يصدق الشاب هذه الدعوات أصلاً؟
حين يصل طفل إلى الحدود مستعداً للمغامرة بحياته، فإن المشكلة لم تبدأ عند الحدود.
لقد بدأت قبل ذلك بكثير.
بدأت عندما أصبح حلم الهجرة أقوى من الخوف من البحر، وعندما استطاعت صورة هاتف أن تهزم تحذيرات الأسرة، وعندما اقتنع مراهق بأن مستقبله يمكن أن يبدأ بقفزة فوق سياج أو سباحة في الظلام.
ولا ينبغي في خضم الحديث عن الأرقام والمحاولات والإجراءات أن ننسى أن هؤلاء القاصرين ليسوا مجرد أعداد تتحرك على خريطة أمنية. خلف كل واحد منهم أم تنتظر، وأب قد لا يعرف أين ذهب ابنه، وأسرة قد تكتشف بعد فوات الأوان أن رسالة على هاتف كانت أقوى من كل ما قيل داخل البيت.
الحدود يمكن تعزيزها، والحواجز يمكن تشديدها، والحسابات المحرضة يمكن إغلاقها، لكن المعركة الحقيقية تبدأ قبل ذلك كله: في المدرسة، وفي الأسرة، وفي فرص الشغل والتكوين، وفي استعادة ثقة الشباب في إمكانية بناء مستقبل دون الاضطرار إلى الهرب منه.
أما الذين يختبئون خلف الشاشات ويدفعون الأطفال نحو المجهول، فعليهم أن يدركوا أن الأمر ليس لعبة أرقام ولا تحدياً افتراضياً.
لأن الشخص الذي يضغط زر «نشر» يبقى في مكانه آمناً، بينما قد يكون في الطرف الآخر قاصر يحمل حقيبة صغيرة ويتجه نحو الشمال، مقتنعاً بأن البحر أقصر طريق إلى المستقبل.



