لم يعد موقع المغرب على خريطة الاستثمار الإفريقي مرتبطاً فقط بموقعه الجغرافي، بل بات يتغذى أيضاً من التحولات التي شهدها اقتصاده خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في التصنيع والتصدير واستقطاب الاستثمارات الأجنبية.
وتبرز هذه الدينامية في ارتقاء المملكة إلى المرتبة الرابعة ضمن الوجهات الإفريقية الأكثر جاذبية للاستثمار، وفق تصنيف «أين نستثمر في إفريقيا 2026-2027»، الصادر عن «راند ميرشانت بنك»، التابع للمجموعة المالية الجنوب إفريقية «فيرست راند».
ووفق التقرير الذي أوردت معطياته جريدة «تليكسبريس» الثلاثاء 27 أكتوبر، يعد المغرب البلد الوحيد ضمن المراكز الخمسة الأولى الذي تقدم في التصنيف، متجاوزاً جنوب إفريقيا، فيما حافظت سيشل وموريشيوس ومصر على المراتب الثلاث الأولى للسنة الثالثة على التوالي.
ويشمل التصنيف 31 بلداً إفريقياً، ويعتمد على 20 مؤشراً موزعة على أربعة محاور تتعلق بالأداء الاقتصادي وإمكانات النمو، والولوج إلى الأسواق والابتكار، ومناخ الاستثمار، والتنمية الاجتماعية والبشرية.
ويستند هذا التقدم، بحسب التقرير، إلى مجموعة من المؤشرات الاقتصادية، في مقدمتها تسجيل نمو بنسبة 4.9 في المائة سنة 2025، إلى جانب احتواء التضخم دون 3 في المائة خلال الفترة الممتدة من 2024 إلى منتصف 2026.
ويقارن التقرير هذا المستوى بمتوسط تضخم بلغ 5 في المائة في جنوب إفريقيا خلال السنوات الخمس المنتهية في يونيو 2026، في سياق يبرز أهمية الاستقرار الاقتصادي في قرارات المستثمرين.
وتشكل الصناعة، ولا سيما صناعة السيارات، أحد أبرز عناصر التحول الذي يشهده الاقتصاد المغربي. فقد تضاعف إنتاج السيارات بالمملكة تقريباً مقارنة بمستوياته السابقة، منتقلاً من أقل من 290 ألف وحدة سنة 2015، بالتوازي مع توسيع القدرات الإنتاجية لمصنعي «رونو» بطنجة و«ستيلانتيس» بالقنيطرة.
وامتد أثر هذه الدينامية إلى الصادرات، إذ بلغت قيمة صادرات المركبات ومكوناتها 157.6 مليار درهم سنة 2024، بارتفاع سنوي قدره 6.3 في المائة، وفق التقرير.
وبذلك حافظ قطاع السيارات على موقعه كأول قطاع تصديري بالمملكة، متقدماً على الفوسفاط والقطاع الفلاحي، وهو ما يعكس تنامي وزن الأنشطة الصناعية في بنية الصادرات المغربية.
وعلى مستوى الاستثمار الأجنبي المباشر، سجلت التدفقات الصافية الوافدة إلى المغرب انتعاشاً ملحوظاً، بعدما ارتفعت من نحو 1.7 مليار دولار سنة 2024 إلى 3.3 مليارات دولار سنة 2025، بزيادة بلغت 91 في المائة، استناداً إلى بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية.
ويشير التقرير إلى أن هذه التدفقات اقتربت من ثلاثة أضعاف المستوى المسجل سنة 2023، بعد تراجعها إلى أدنى مستوياتها خلال تلك السنة.
كما ساهم القطاع السياحي في دعم جاذبية المملكة، بعدما استقبل المغرب 19.8 مليون زائر سنة 2025، فيما بلغت العائدات السياحية 124 مليار درهم خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من السنة نفسها، بزيادة سنوية قدرها 19 في المائة.
وتندرج هذه النتائج ضمن طموح المملكة إلى استقبال 26 مليون سائح سنوياً بحلول نهاية العقد الجاري، بالتزامن مع الاستعداد لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وما يرتبط بذلك من استثمارات مرتقبة في البنيات التحتية تقدر بنحو 5 مليارات دولار.
وفي الجانب المالي، استند التقرير أيضاً إلى معطيات صندوق النقد الدولي، الذي قدّر عجز الميزانية المغربية في 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنة 2025، مدفوعاً بالأداء القوي للمداخيل.
كما أشار إلى مسار متوقع لتراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 67.1 في المائة سنة 2025 إلى 60.5 في المائة بحلول سنة 2031.
ومن العوامل الأخرى التي أوردها التقرير عدم تعرض المغرب لأزمة كهرباء مطولة أو اختلالات لوجستية حادة مماثلة لتلك التي واجهتها جنوب إفريقيا. كما ساهمت التغيرات في تقييم المخاطر السيادية في دعم صورة المملكة لدى المستثمرين، خصوصاً بعد رفع وكالة «إس أند بي غلوبال ريتينغز» تصنيف المغرب في شتنبر 2025 إلى درجة الاستثمار، من «BB+» إلى «BBB-» على المدى الطويل، ومن «B» إلى «A-3» على المدى القصير، مع الإبقاء على نظرة مستقبلية مستقرة.
وتبرز هذه المؤشرات، مجتمعة، العوامل التي دعمت تقدم المغرب في التصنيف القاري، من نمو اقتصادي وتصنيع وتوسع في الصادرات وانتعاش للاستثمار والسياحة.
غير أن الحفاظ على هذه الجاذبية يظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمارات إلى قيمة مضافة وفرص شغل مستدامة، وتوسيع أثر النمو على مختلف الجهات والقطاعات، بما يجعل جاذبية الاستثمار رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.



