لم تعد عمليات النصب الإلكتروني محصورة في رسائل وهمية أو حسابات مزيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل أضحت نشاطاً عابراً للحدود يستند إلى شبكات منظمة، وحسابات مصرفية متعددة، وأدوات رقمية متطورة، بما فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي مواجهة هذا النوع من الجرائم، شارك المغرب في العملية الأمنية الدولية «Confrontation Ghost»، التي انتهت بتوقيف أكثر من 960 شخصاً في 30 دولة، وتحديد هوية نحو 15 ألفاً و500 ضحية محتملة لعمليات احتيال.
وتكشف الحصيلة التي أعلنتها وزارة الداخلية الإماراتية في 22 أكتوبر الجاري عن اتساع البنية التي تستند إليها هذه الأنشطة الإجرامية. فقد أسفرت العملية، التي جرى تنفيذها بين يوليوز وشتنبر 2026 بتنسيق من دولة الإمارات العربية المتحدة، عن تحديد هوية 3500 مشتبه فيه، إلى جانب الكشف عن 29 مركزاً للاحتيال، ورصد أكثر من 4126 حساباً بنكياً مشبوهاً، وإغلاق ما يزيد على 570 حساباً على منصات التواصل الاجتماعي.
وتعكس هذه الأرقام أن التصدي للاحتيال الرقمي لم يعد يقتصر على ملاحقة الأشخاص الذين يتواصلون مباشرة مع الضحايا، بل يتطلب الوصول إلى البنيات التي تتيح تنفيذ العمليات وتدوير الأموال وإخفاء آثارها.
فالشبكات الإجرامية تستفيد من سرعة انتقال البيانات والأموال بين البلدان، ومن تعدد المنصات والحسابات التي تستخدمها لتوسيع نشاطها وتفادي المراقبة.
وفي الجانب المالي، مكنت التحقيقات من تحديد أموال وأصول من العملات المشفرة مرتبطة بأنشطة احتيالية، تتجاوز قيمتها 39 مليار دولار، بحسب المعطيات المعلنة.
كما جرى إحباط 123.71 مليون محاولة احتيال عبر الإنترنت، وفق وكالة الأنباء الإماراتية «وام». غير أن تحديد هذه الأصول أو رصد محاولات الاحتيال لا يعني بالضرورة استرداد الأموال التي فقدها الضحايا؛ إذ يظل ذلك مرتبطاً بنتائج التحقيقات المالية والإجراءات القانونية والتعاون بين الجهات المختصة.
وامتدت العملية إلى أشكال مختلفة من الجريمة الرقمية، من الاحتيال المالي عبر الإنترنت إلى الممارسات التي تستعين بالذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الابتزاز الجنسي الإلكتروني.
وشارك فيها، إلى جانب الأجهزة الأمنية في البلدان المعنية، كل من المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» و13 شركة من القطاع الخاص، من بينها «ميتا» و«تيك توك» و«ماستركارد»، بهدف تعزيز تبادل المعلومات وتتبع الأنشطة المشبوهة.
وفي هذا الإطار، جرى تبادل أكثر من تسعة آلاف معلومة بين الجهات المشاركة، بما ساعد على ربط المعطيات المتاحة وتحديد شبكات تنشط خارج الحدود الوطنية. وعُرضت نتائج العملية في العاصمة النمساوية فيينا، على هامش مؤتمر للأمم المتحدة مخصص للجريمة المنظمة.
وتضع مشاركة المغرب هذه العملية ضمن مسار التعاون الأمني الدولي لمواجهة جرائم تتجاوز الحدود الجغرافية والاختصاصات الوطنية. لكن فعالية هذا التعاون لا تقاس بعدد التوقيفات وحده، بل أيضاً بقدرته على حماية الضحايا، وتعقب العائدات غير المشروعة، وتعطيل قنوات تحويل الأموال، وتعزيز التنسيق القضائي بين الدول.
وتبقى الوقاية الرقمية جزءاً مكملاً لهذه الجهود، من خلال توعية المستخدمين بمخاطر الروابط المشبوهة، والتحقق من هوية الجهات التي تطلب بياناتهم أو أموالهم، والإبلاغ عن محاولات النصب.
فكلما تطورت وسائل الاحتيال، ازدادت الحاجة إلى الجمع بين التدخل الأمني والتعاون الدولي واليقظة الرقمية، حتى لا تتحول التكنولوجيا التي تسهّل التواصل والمعاملات إلى أداة لاستهداف الأفراد وممتلكاتهم.



