حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدة من أعنف موجات تفشي فيروس إيبولا في تاريخها، بعدما تجاوزت حصيلة الوفيات خمسة آلاف شخص، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال العدوى إلى دول إفريقية أخرى، وسط صعوبات تعترض جهود الرصد الوبائي واحتواء انتشار المرض.

وأفاد أحدث تقرير لوزارة الصحة الكونغولية، الصادر الأحد فاتح نونبر 2026، بتسجيل 5103 وفيات من أصل 10467 إصابة مؤكدة منذ الإعلان عن التفشي في ماي الماضي، ما يرفع معدل الإماتة إلى 48.8 في المائة. وبذلك أصبح التفشي الحالي، وهو السابع عشر في تاريخ البلاد، ثاني أكبر وباء إيبولا على المستوى العالمي من حيث الإصابات والوفيات، بعد وباء غرب إفريقيا الذي امتد بين 2014 و2016، وأسفر عن أكثر من 28 ألف إصابة وما يزيد على 11 ألف وفاة.

وامتدت الإصابات إلى 67 منطقة صحية موزعة على ثمانية أقاليم من أصل 26 إقليما في الكونغو الديمقراطية، فيما يتركز نحو 71 في المائة من مجموع الحالات المؤكدة في إقليم إيتوري، شمال شرقي البلاد، الذي يشكل بؤرة التفشي الرئيسية.

وتزداد صعوبة احتواء الوباء بسبب استمرار اكتشاف إصابات خارج دوائر المخالطين المسجلين لدى السلطات الصحية، وهو ما يشير إلى وجود سلاسل انتقال لم تتمكن فرق المراقبة من تحديدها. ووفق تقديرات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فإن نحو 80 في المائة من الإصابات الجديدة بإقليم إيتوري لا ترتبط بمخالطين معروفين.

وتكشف حصيلة الوفيات بدورها عن تحديات الاستجابة الصحية، بعدما سجل التقرير 45 وفاة إضافية خلال يوم واحد، من بينها 26 حالة داخل المجتمعات المحلية، مقابل 19 وفاة بمراكز علاج إيبولا، بما يعكس استمرار صعوبة اكتشاف الحالات في مراحل مبكرة ونقل المصابين إلى المؤسسات الصحية، خصوصا بالمناطق النائية التي تتأثر بالنزاعات المسلحة.

وفي ما يتعلق بتتبع المخالطين، شملت العمليات أكثر من 36 ألف شخص، غير أن الفرق الصحية لم تتمكن خلال اليوم الأخير من الوصول إلا إلى نحو 86.6 في المائة منهم، وهي نسبة دون الهدف المحدد في 95 في المائة. وتزيد الأوضاع الأمنية وضعف البنيات التحتية وصعوبة التنقل من تعقيد التدخلات، إلى جانب نقص المستلزمات الطبية وتأخر مستحقات بعض العاملين الصحيين وتوقف أنشطة المراقبة في مناطق متضررة.

ولم يعد خطر العدوى محصورا داخل الحدود الكونغولية، إذ سُجلت إصابات مرتبطة بفيروس بونديبوغيو في دول إفريقية أخرى، من بينها أوغندا وكينيا ونيجيريا. ففي كينيا، أعلنت السلطات تسجيل تسع إصابات مؤكدة، بينها حالتا وفاة، إلى غاية 26 أكتوبر، وجميعها مرتبطة بحالة وافدة من الكونغو الديمقراطية، قبل انتقال العدوى إلى مخالطين، من بينهم أفراد من الأسرة وعاملون في القطاع الصحي.

أما نيجيريا، فسجلت في 20 أكتوبر إصابة مؤكدة لدى شخص قدم من أوغندا، فيما باشرت السلطات تحقيقاتها لتحديد مصدر العدوى وتعقب المخالطين. وكانت أوغندا قد سجلت 20 إصابة مؤكدة خلال ماي ويونيو الماضيين، قبل أن تعلن انتهاء التفشي بعد مرور 42 يوما دون تسجيل حالات جديدة.

ويبرز هذا التطور اختلاف الوضع الوبائي من بلد إلى آخر، إذ إن تسجيل حالات وافدة لا يعني بالضرورة نشوء انتقال مجتمعي مستمر داخل الدولة المستقبلة، لكنه يفرض تعزيز إجراءات المراقبة والاستعداد الصحي.

وفي سياق التدابير الاحترازية، أعلنت السعودية، الجمعة 30 أكتوبر، تعليق سفر مواطنيها إلى كينيا ووقف إصدار التأشيرات للقادمين منها، فضلا عن منع دخول المسافرين الذين أقاموا في كينيا أو في دول تشهد تفشيا نشطا للفيروس خلال الأيام الـ21 السابقة لوصولهم. وتضاف هذه الإجراءات إلى تدابير سابقة شملت تعليق السفر إلى الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان، وتشديد المراقبة الصحية بمنافذ الدخول.

وعلى المستوى الدولي، تواصل منظمة الصحة العالمية الدعوة إلى تقوية أنظمة الترصد الوبائي، وتسريع الكشف عن الإصابات، وتوسيع قدرات العلاج، وتحسين التنسيق بين الدول، إلى جانب تعزيز التواصل مع المجتمعات المحلية لضمان الوصول إلى المصابين والمخالطين.

وتكمن إحدى الصعوبات العلمية في أن التفشي الحالي يرتبط بفيروس بونديبوغيو، وهو أحد الفيروسات المسببة لمرض إيبولا، ولا يتوفر حتى الآن لقاح أو علاج نوعي مرخص خصيصا لهذه السلالة. ورغم اعتماد لقاح لمواجهة فيروس إيبولا من نوع زائير، فإن فعاليته ضد بونديبوغيو لدى البشر لم تثبت بعد.

وتجري الجهات الصحية دراسات وتجارب لتقييم لقاحات وعلاجات محتملة، بالتوازي مع استخدام لقاح «إيرفيبو» (Ervebo) ضمن بروتوكولات بحثية لتقييم قدرته على توفير الحماية ضد السلالة الحالية. وفي هذا الإطار، أظهرت بيانات السلطات الكونغولية أن أكثر من عشرة آلاف شخص تلقوا اللقاح منذ انطلاق حملة التطعيم في غشت الماضي.

وتشمل التدخلات الطبية المقدمة للمصابين توفير الرعاية الصحية وتعويض السوائل والأملاح ومعالجة المضاعفات ومراقبة الوظائف الحيوية، وهي إجراءات يمكن أن تحسن فرص النجاة، خصوصا عندما يبدأ التكفل بالمريض في وقت مبكر.

وينتقل الفيروس أساسا عبر التلامس المباشر مع دم أو سوائل جسم شخص مصاب ظهرت عليه الأعراض، أو ملامسة الأدوات والأسطح الملوثة بها، ولا ينتشر عبر الهواء بالطريقة نفسها التي تنتقل بها الإنفلونزا أو الحصبة. وتتراوح فترة حضانته بين يومين و21 يوما، فيما تشمل أعراضه الأولية الحمى والتعب الشديد وآلام العضلات والصداع والتهاب الحلق، وقد تتطور الحالة إلى القيء والإسهال واضطرابات وظائف الأعضاء، وأحيانا النزيف.

وتشدد منظمة الصحة العالمية على أن وقف انتقال العدوى يقتضي اكتشاف الحالات بسرعة وعزل المصابين وتوفير الرعاية الطبية المناسبة، إلى جانب تتبع المخالطين واحترام إجراءات الدفن الآمن.

وبينما تواصل الكونغو الديمقراطية مواجهة الحصيلة المتصاعدة للوفيات والإصابات، يظل التحدي مزدوجا: الحد من الخسائر البشرية داخل المناطق الموبوءة، والحيلولة دون انتقال العدوى إلى بؤر جديدة في دول أخرى، في ظل استمرار صعوبة رصد بعض سلاسل الانتقال والوصول إلى الحالات قبل تفاقم وضعها الصحي.