لا تختزل مكافحة الفساد في فتح التحقيقات ومتابعة المشتبه في تورطهم وإصدار الأحكام القضائية، بل تكتمل فعاليتها بقدرة الدولة على تتبع العائدات غير المشروعة واسترجاعها والحفاظ على قيمتها الاقتصادية.
ويستند هذا التحليل إلى التقرير السنوي للهيئة برسم سنة 2025، المنشور في الجريدة الرسمية للمملكة المغربية، العدد 7556 مكرر، الصادر بتاريخ 30 أكتوبر 2026، والذي يتضمن تشخيص الهيئة لاختلالات منظومة النزاهة ومكافحة الفساد، وتصورها لتعزيز آليات استرداد الموجودات المحجوزة والمصادرة.
وتنطلق الهيئة في تشخيصها من اعتبار أن المردودية الاقتصادية للجريمة تشكل أحد الأهداف الأساسية التي ينبغي أن تستهدفها جهود المكافحة؛ فالمقاربة الزجرية، مهما تعددت الأبحاث والمتابعات والأحكام الصادرة، لا تحقق أهدافها كاملة إذا ظلت العائدات غير المشروعة بعيدة عن الاسترداد، أو إذا فقدت الدولة القدرة على تتبعها والحفاظ على قيمتها وتوظيفها لفائدة المجتمع.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر الهيئة إلى المصادرة باعتبارها مجرد إجراء قانوني ينتهي بصدور حكم قضائي، بل باعتبارها مسارا متكاملا يبدأ بتحديد الأصول وتجميدها وحجزها وتتبعها وتقييمها، ويمتد إلى حفظها وتدبيرها واستردادها.
وتؤكد أن نجاح الدولة في استرجاع الأموال غير المشروعة لا يقاس بعدد الأحكام القاضية بالمصادرة، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الأحكام إلى قيمة اقتصادية فعلية تعود بالنفع على المالية العمومية.
ويكشف التقرير أن الإشكال في المغرب لا يرتبط بغياب الأساس القانوني للحجز والمصادرة، بقدر ما يرتبط بمحدودية البنية المؤسساتية المكلفة بتدبير الأصول المحجوزة.
فالمسار الحالي، وفق تشخيص الهيئة، يقوم على تدخل متعاقب ومتفرق لعدد من الجهات الأمنية والقضائية والإدارية والمالية، دون وجود جهة مركزية تتولى التنسيق بينها أو تتحمل المسؤولية المباشرة عن المحافظة على القيمة الاقتصادية للأصول.
وتترتب عن هذا التشتت مخاطر تتجاوز التعقيد الإداري، إذ يمكن أن يؤدي غياب سجل موحد للأصول، وعدم توحيد قواعد التقييم والحفظ والتصرف فيها، إلى تراجع قيمة الممتلكات المحجوزة أو تعرضها للتدهور، فضلا عن تحمل الدولة تكاليف مرتفعة للحراسة والتخزين والتدبير دون تحقيق مقابل فعلي.
وتزداد هذه الصعوبات عندما يتعلق الأمر بأصول سريعة التلف أو متقلبة القيمة أو تحتاج إلى خبرة تقنية متخصصة.
ولا يأتي هذا التشخيص بمعزل عن المعطيات القضائية والمالية التي أوردها التقرير. فقد سجل الخط المباشر للتبليغ عن الرشوة، منذ إطلاقه في 14 ماي 2018 إلى غاية 31 دجنبر 2025، ما مجموعه 94 ألفا و765 مكالمة، أسفرت عن ضبط 420 حالة تلبس بالرشوة صدرت بشأنها أحكام بالإدانة تضمنت عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية.
لكن الهيئة تدعو إلى قراءة هذه الأرقام بحذر، موضحة أن الفارق بين عدد المكالمات وحالات التلبس يعكس، من جهة، صعوبة تحويل الشبهات والمعلومات الأولية إلى وقائع قابلة للإثبات القضائي،
ومن جهة أخرى، وجود تباين أحيانا بين التصور المجتمعي للفساد والتكييف القانوني للأفعال. كما سجلت 529 قضية رائجة أمام أقسام الجرائم المالية خلال سنة 2025، مقابل 874 قضية سنة 2024، بانخفاض يقارب 39.47 في المائة، مع التنبيه إلى أن تراجع عدد القضايا لا يعني بالضرورة تراجع حجم الفساد، إذ قد يرتبط بقدرة المحاكم على تصفية الملفات أو بعوامل إجرائية أخرى.
وفي ما يتعلق بتدبير المال العام، أورد التقرير أن النيابة العامة لدى المحاكم المالية قررت متابعة 196 شخصا خلال الفترة الممتدة من فاتح يناير 2024 إلى نهاية شتنبر 2025، بناء على دراسة 111 طلبا لرفع القضايا، أفضت إلى إصدار 76 ملتمسا لإجراء التحقيق.
وشملت المتابعات مرفقين تابعين للدولة، وثماني مؤسسات عمومية، وشركة عمومية، و83 جماعة ترابية، وشركة تنمية محلية ومؤسسة عمومية محلية.
وتوزعت الاختلالات المرصودة بين تنفيذ النفقات العمومية وتدبير الموارد البشرية وتحصيل المداخيل والممتلكات العمومية، فضلا عن الشروع في تنفيذ صفقات قبل استكمال المساطر القانونية، وتسوية نفقات خارج الإطار التعاقدي، وتحميل الميزانيات العمومية مصاريف لا تدخل ضمن اختصاصاتها.
ويعتبر التقرير أن هذه المعطيات تكشف مواطن هشاشة في قواعد التخطيط والرقابة والتدبير والامتثال داخل عدد من المرافق العمومية.
أمام هذه الاختلالات، تقترح الهيئة إحداث مؤسسة عمومية متخصصة تحت اسم «وكالة تدبير واسترداد الموجودات المحجوزة أو المصادرة»، معتبرة أن الغاية ليست إضافة متدخل جديد إلى المنظومة، وإنما سد الفراغ القائم بين مرحلة الحجز القضائي ومرحلة الاسترداد الفعلي للعائدات.
ويفترض، بحسب التصور الوارد في التقرير، أن تتمتع الوكالة بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، وأن تعمل تحت وصاية وزارة الاقتصاد والمالية، مع اعتماد نموذج للحكامة يضمن التنسيق الدائم بين السلطات القضائية والأمنية والمالية والرقابية المعنية.
كما تشمل اختصاصاتها المقترحة مسك سجل وطني موحد للأصول المحجوزة والمصادرة، وتقديم الدعم التقني للسلطات القضائية، والإشراف على عمليات تقييم الممتلكات وحفظها وتثمينها وبيعها أو إتلافها، وتدبير الحسابات المرتبطة بالعائدات المالية، والمساهمة في آليات التعاون الدولي الخاصة بالحجز والمصادرة واسترداد الموجودات.
ولا يفصل التقرير هذا المقترح عن ضرورة وضع قواعد دقيقة وشفافة لتقييم الممتلكات وتدبيرها، مع إمكانية بيع الأصول القابلة للتلف أو السريعة الانخفاض في القيمة بإذن قضائي، وإيداع عائداتها في حسابات مخصصة إلى حين البت النهائي في النزاعات المرتبطة بها.
كما يشدد على إخضاع الوكالة للرقابة والتدقيق المنتظمين، وتعزيز مواردها البشرية بكفاءات مالية ومحاسبية وقانونية وعقارية متخصصة.
وتستحضر الهيئة في هذا السياق تجارب دولية، من بينها فرنسا وإيطاليا وبلجيكا، حيث أُحدثت أجهزة متخصصة لتدبير الأصول المحجوزة والمصادرة.
وتبرز أهمية هذه النماذج، وفق التقرير، في ضمان استمرارية تتبع الممتلكات والحفاظ على قيمتها وتحويلها إلى مورد عمومي بعد صدور الأحكام النهائية، وليس فقط في إسناد مهمة التدبير إلى مؤسسة مستقلة.
ويكتسب هذا التوجه بعدا دوليا أيضا، إذ يربط التقرير فعالية المصادرة بمقتضيات اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ولاسيما المادة 31 المتعلقة بإدارة الممتلكات المجمدة أو المحجوزة أو المصادرة، فضلا عن التوجهات التي كرستها الاتفاقيتان العربية والإفريقية لمكافحة الفساد. كما يعتبر استرداد الموجودات من المعايير المتزايدة الأهمية في تقييم فعالية السياسات العمومية لمكافحة الفساد.
وبذلك، يضع تقرير الهيئة النقاش حول مكافحة الفساد أمام مرحلة تتجاوز التركيز على المتابعة والعقاب إلى استهداف العائدات والشبكات والمنافع الاقتصادية الناتجة عن الممارسات غير المشروعة.
فالمحاسبة، وفق هذا المنظور، لا تكتمل بمعاقبة المتورطين، بل تقتضي أيضا حرمانهم من المكاسب التي حققوها، وإعادة توجيه الموارد المسترجعة لخدمة المصلحة العامة.



