زلزال داخل «فيفا».. هل بدأت نهاية عهد إنفانتينو؟
لم يعد الخلاف داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم مجرد مواجهة عابرة حول قرار إداري أو مشروع تجاري مثير للجدل، بل بدأت ملامح أزمة ثقة حقيقية تتشكل حول طريقة تدبير جياني إنفانتينو لمنظومة «فيفا»، في وقت تقترب فيه المؤسسة الكروية الأكبر عالميا من محطة انتخابية جديدة سنة 2027.

الرسالة التي وجهتها قيادات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «UEFA» والاتحاد الآسيوي «AFC» واتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «CONCACAF» تحمل دلالات تتجاوز بكثير مضمون بيان احتجاجي عادي. نحن أمام ثلاث قوى قارية كبرى ترفع صوتها في مواجهة قيادة «فيفا»، وتطالب بمراجعة مستقلة وتغيير طريقة إدارة عدد من الملفات الحساسة داخل المؤسسة الدولية.
المواجهة الحالية تطرح سؤالا مركزيا حول الحكامة داخل «فيفا»: هل القرارات الكبرى، خصوصا تلك المرتبطة بمستقبل المسابقات والحقوق التجارية ومليارات الدولارات، يجب أن تظل خاضعة لمنطق القرار المركزي، أم أن الاتحادات القارية والوطنية مطالبة بالمشاركة الفعلية في رسم مستقبل كرة القدم العالمية؟
الأزمة لم تعد مرتبطة بمشروع واحد أو قرار منفرد، بل أصبحت أزمة ثقة في طريقة اتخاذ القرار. وعندما تصل الخلافات بين قيادة «فيفا» وثلاث كونفدراليات بهذا الوزن إلى العلن، فإن الأمر يعني أن التوازنات التقليدية داخل المؤسسة بدأت تتغير.
إنفانتينو لم يفقد موقعه بعد، كما أن الحديث عن سقوطه يبقى سابقا لأوانه. الرجل لا يزال يمتلك شبكة واسعة من العلاقات والدعم داخل العديد من الاتحادات الوطنية، خصوصا أن الانتخابات داخل «فيفا» لا تحسمها البيانات الإعلامية، وإنما أصوات الاتحادات الأعضاء.
لكن الخطير بالنسبة لرئيس «فيفا» هو أن خصومه لم يعودوا مجرد أصوات متفرقة. ما يتشكل اليوم يمكن أن يتحول إلى تحالف سياسي وانتخابي قادر على تغيير موازين القوى إذا نجح في الاتفاق على رؤية مشتركة ومرشح قادر على منافسة إنفانتينو.
وفي قلب هذه المعركة يبرز موقف الاتحاد الإفريقي لكرة القدم «كاف».
فبينما اختارت اتحادات قارية كبرى رفع سقف المواجهة والمطالبة بالمزيد من الشفافية والحكامة، يبدو «كاف» أقرب إلى موقع المتفرج على الأزمة، بل إن تموقعه السياسي يثير أسئلة حول ما إذا كان الاتحاد الإفريقي يقف فعلا في المكان الذي يخدم مصالح الكرة الإفريقية.
إفريقيا ليست رقما صغيرا داخل «فيفا». إنها تضم 54 اتحادا وطنيا، وتشكل واحدة من أكبر الكتل الانتخابية داخل الاتحاد الدولي. وهذه القوة العددية كان من المفترض أن تمنح القارة قدرة أكبر على التأثير في القرارات الكبرى، بدل أن تتحول أصواتها إلى مجرد رصيد انتخابي تتنافس عليه الأطراف عند كل استحقاق.
السؤال الذي ينبغي أن يطرحه «كاف» اليوم ليس: هل نقف مع إنفانتينو أم ضده؟
السؤال الحقيقي هو: أين توجد مصلحة كرة القدم الإفريقية؟
الدفاع عن مصالح إفريقيا لا يعني الدخول في حرب شخصية مع رئيس «فيفا»، كما لا يعني تقديم ولاء غير مشروط لأي قيادة. المطلوب هو موقف مؤسساتي مستقل يدافع عن الشفافية والحكامة وعن حضور إفريقي قوي في صناعة القرار.
كرة القدم الإفريقية تملك المواهب والجماهير والأسواق و54 صوتا داخل الكونغرس الدولي، لكنها تحتاج إلى تحويل هذا الوزن العددي إلى قوة تفاوضية حقيقية.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن الرؤساء يتغيرون والتحالفات تتبدل، بينما تبقى المصالح الاستراتيجية للقارات والاتحادات الوطنية. ولذلك سيكون من الخطأ ربط مستقبل كرة القدم الإفريقية بشخص مهما كانت قوة علاقته بالقارة.
ومع اقتراب انتخابات رئاسة «فيفا» سنة 2027، ستصبح كل هذه التحركات أكثر أهمية. فإذا نجحت UEFA وAFC وCONCACAF في الانتقال من مرحلة الاعتراض إلى بناء تحالف انتخابي حقيقي، فإن إنفانتينو قد يجد نفسه أمام أصعب اختبار سياسي منذ وصوله إلى رئاسة الاتحاد الدولي.
المعركة لن تحسمها قوة التصريحات، بل الأرقام.
كل اتحاد وطني يمتلك صوتا، وإفريقيا ستكون مرة أخرى في قلب الحسابات. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على «كاف»: هل يستثمر القوة الانتخابية للقارة للحصول على مكانة أقوى داخل النظام الكروي العالمي، أم يكتفي بالاصطفاف خلف طرف من أطراف الصراع؟
ما يحدث اليوم قد يكون بداية إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى داخل «فيفا».
من السابق لأوانه القول إن العد التنازلي لسقوط إنفانتينو قد بدأ فعلا، لكن من الواضح أن الرجل لم يعد يتحرك في الملعب نفسه الذي كان يتحرك فيه قبل سنوات. المعارضة أصبحت أكثر تنظيما، والخلاف خرج إلى العلن، والأسئلة حول الحكامة أصبحت أكثر حدة.
إنفانتينو ما يزال على رأس «فيفا»، وما يزال يمتلك أوراقا قوية، لكن الكرسي الذي كان يبدو شديد الاستقرار بدأ يتعرض لاهتزازات سياسية متتالية.
أما إفريقيا، فليس مطلوبا منها أن تنتظر معرفة المنتصر كي تحدد موقعها.
المطلوب أن تختار منذ الآن المكان الصحيح: إلى جانب مصالح كرة القدم الإفريقية، واستقلالية القرار، والشفافية والحكامة، لا إلى جانب الأشخاص.



