تحقيق | المنظومة الصحية بالمغرب… بين تحديات الإصلاح وشكاوى المواطنين
بقلم هيئة تحرير Jihat.ma
تشهد المنظومة الصحية المغربية منذ سنوات تحولات عميقة في إطار الورش الملكي لتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الشاملة، حيث رصدت الدولة استثمارات بمليارات الدراهم لبناء مستشفيات جديدة، وتأهيل المؤسسات الصحية، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز الموارد البشرية. غير أن هذه الدينامية الإصلاحية ما زالت تصطدم بعدد من التحديات التي يلمسها المواطن يومياً، سواء داخل المستشفيات العمومية أو في بعض مؤسسات القطاع الخاص، مما يطرح تساؤلات حول جودة الخدمات الصحية ونجاعة الحكامة.
ورغم التطور الذي عرفه القطاع خلال السنوات الأخيرة، لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر بشأن طول مواعيد العلاج، وصعوبة الحصول على مواعيد لدى بعض الأطباء المختصين، والاكتظاظ داخل أقسام المستعجلات، ونقص الموارد البشرية في عدد من الجهات، فضلاً عن تفاوت جودة الخدمات الصحية بين المدن الكبرى والمناطق القروية والنائية.
ويؤكد العديد من المختصين أن بناء مستشفيات جديدة لا يكفي لوحده لتحقيق إصلاح حقيقي، بل إن الأمر يتطلب توفير أطباء وممرضين وتقنيين مؤهلين، مع تحسين ظروف العمل داخل المؤسسات الصحية، وضمان التوزيع العادل للموارد البشرية والتجهيزات بين مختلف جهات المملكة.
وفي المقابل، عرف القطاع الصحي الخاص توسعاً كبيراً خلال العقد الأخير، حيث ارتفع عدد المصحات والمراكز الطبية الخاصة، وأصبح يلعب دوراً أساسياً في تقديم الخدمات الصحية. غير أن هذا النمو يفرض، في المقابل، تعزيز آليات المراقبة والشفافية، واحترام القوانين المنظمة للمهنة، وضمان حقوق المرضى، ومراقبة جودة الخدمات والأسعار بما يحافظ على التوازن بين الاستثمار وحق المواطن في العلاج.
كما يطالب عدد من الفاعلين في القطاع بتعزيز الرقمنة داخل المنظومة الصحية، من خلال تعميم الملف الطبي الإلكتروني، ورقمنة المواعيد، وتحسين تدبير الأدوية والمستلزمات الطبية، واعتماد أنظمة حديثة لتتبع الخدمات، بما يساهم في الحد من الأخطاء الإدارية، وتقليص آجال الانتظار، ورفع مستوى الشفافية.
ويرى خبراء في السياسات الصحية أن نجاح الإصلاح رهين أيضاً بتعزيز الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين تدبير الصفقات العمومية الخاصة بالمعدات والأدوية، وتفعيل آليات المراقبة الداخلية والخارجية، مع تشجيع المواطنين على التبليغ عن أي اختلالات عبر القنوات القانونية المختصة.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي يقوم به آلاف الأطباء والممرضين والأطر الصحية، الذين يواصلون أداء واجبهم المهني في ظروف صعبة، خاصة داخل المستشفيات العمومية التي تعرف ضغطاً كبيراً نتيجة ارتفاع عدد المرتفقين، وهو ما يستوجب توفير الإمكانيات البشرية واللوجستية الكفيلة بتمكينهم من أداء مهامهم في أفضل الظروف.
ويجمع المتابعون على أن المغرب قطع خطوات مهمة في تحديث قطاع الصحة، إلا أن الطريق ما زال يتطلب المزيد من الإصلاحات والاستثمارات، وتعزيز الشفافية، وتحسين جودة الخدمات، حتى يصبح الحق في العلاج واقعاً ملموساً لجميع المواطنين، انسجاماً مع التوجيهات الملكية الرامية إلى بناء منظومة صحية حديثة، عادلة، وفعالة، تجعل صحة المواطن في صلب أولويات التنمية الوطنية.



