حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان التسجيل الصوتي المنسوب إلى راشد الطالبي العلمي، عضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، حقيقيا أم مجرد مادة مصنوعة بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي. فتصريح محمد شوكي، رئيس الحزب، لجريدة هسبريس، نقل القضية إلى مستوى آخر، بعدما أعرب صراحة عن أسفه لـ«تسريب جزء من نقاشات اجتماع المكتب السياسي للحزب»، معتبرا في المقابل أن ما جرى تداوله تعرض للتحوير والإخراج من سياقه.
بهذا التصريح، يصبح من الصعب اختزال القضية في سؤال تقني حول حقيقة الصوت، ويصبح النقاش السياسي هو الأهم: ماذا قيل داخل الاجتماع؟ وفي أي سياق قيل؟ وإلى أي حد تعكس المقاطع المتداولة حقيقة النقاش الذي دار بين قيادات حزب يقود الحكومة، والمغرب يتجه نحو استحقاقات انتخابية جديدة؟
وأوضح محمد شوكي، في تصريحه لجريدة هسبريس، أن المكتب السياسي يشكل «فضاء خاصا للتعبير الحر عن آراء أعضائه ومواقفهم»، وأن النقاشات التي تدور داخله تندرج في إطار التداول الطبيعي والمؤسساتي بين قيادات الحزب حول مختلف القضايا السياسية والتنظيمية المطروحة.
وأكد رئيس التجمع الوطني للأحرار أن تعدد الآراء وحرية التعبير داخل المؤسسات الحزبية أمر طبيعي، بل يشكل جزءا من آليات اشتغالها، قبل أن تنتهي النقاشات إلى بلورة موقف جماعي ورسمي يعكس قرار الحزب، مشددا على أن كل عضو في المكتب السياسي من حقه التعبير عن مواقفه بحرية.
هذا التوضيح له وجاهته التنظيمية. فالأحزاب تحتاج بالفعل إلى فضاءات داخلية تسمح لقياداتها بالنقاش بحرية، ولا يمكن تحويل كل رأي يقال داخل اجتماع مغلق إلى موقف رسمي للحزب. كما أن اجتزاء مقاطع من نقاش طويل قد يؤدي إلى تقديم الكلام في سياق مختلف عن السياق الذي ورد فيه.
لكن المشكلة أن التسجيل، بمجرد خروجه إلى المجال العام، لم يعد شأنا تنظيميا داخليا فقط.
فعندما يسمع المواطن حديثا سياسيا يفهم منه وجود حسابات مرتبطة بالمرحلة المقبلة وبموازين القوى والمواقع والحقائب الحكومية، يصبح من حقه أن يسأل، خصوصا وأن الانتخابات لم تقل كلمتها بعد.
ومن الطبيعي أن تستعد الأحزاب لكل السيناريوهات، وأن تتوقع الفوز أو الخسارة، وأن تناقش التحالفات الممكنة وشكل مشاركتها المحتملة في الحكومة المقبلة. فهذا جزء من العمل السياسي والاستعداد للاستحقاقات.
لكن هناك خطا دقيقا يفصل بين استشراف المستقبل وبين إعطاء الانطباع بأن المستقبل السياسي أصبح موضوع توزيع قبل أن يختار الناخبون خريطتهم البرلمانية.
وهنا تكمن حساسية القضية.
إذا كان الحديث عن الحقائب الحكومية قد ورد فعلا ضمن النقاش الداخلي، فإن السؤال ليس فقط: من سرب التسجيل؟ وإنما: بأي معنى جرى الحديث عنها؟ هل كان الأمر مجرد فرضيات سياسية مرتبطة بنتائج محتملة للانتخابات؟ أم أن النقاش يعكس تصورات أكثر تقدما بشأن شكل الحكومة المقبلة وتوزيع المسؤوليات داخلها؟
هذه أسئلة لا ينبغي تحويلها إلى اتهامات جاهزة، لكنها في المقابل أسئلة سياسية مشروعة لا يمكن مطالبة الصحافة أو الرأي العام بتجاهلها.
وفي السياق ذاته، تحدث محمد شوكي في تصريحه لجريدة هسبريس عن إمكانية لجوء الحزب إلى القضاء ضد من يثبت تورطه في تحوير وتسريب ونشر التسجيل الصوتي، وهو حق يكفله القانون للحزب ولكل من يعتبر أن حقوقه تعرضت للمساس.
لكن بالنسبة للرأي العام، يبرز سؤال مواز: هل المشكلة في من سرب الكلام فقط، أم أن مضمون ما تسرب يستحق بدوره توضيحا سياسيا؟
قد يتم التعرف على مصدر التسريب، وقد يصل الملف إلى القضاء، وقد يثبت أن أجزاء من التسجيل أخرجت من سياقها، لكن ذلك لن يكون كافيا وحده لإغلاق النقاش الذي فتحه التسجيل.
بل إن القول إن المقطع مجتزأ أو محورا يجعل توضيح السياق الكامل أكثر أهمية. فإذا كان السياق يغير المعنى جذريا، فإن تقديمه للرأي العام سيكون أقوى جواب على التأويلات التي رافقت انتشار التسجيل.
والقضية هنا تتجاوز التجمع الوطني للأحرار والطالبي العلمي ومحمد شوكي، لأنها تمس صورة الممارسة السياسية نفسها في مرحلة تسبق استحقاقا انتخابيا ينتظر منه أن يفرز خريطة سياسية جديدة.
فالأحزاب مطالبة بأن تتنافس حول البرامج والحصيلة والرؤى الاقتصادية والاجتماعية، وأن تشرح للمواطن ماذا تقترح للتعليم والصحة والشغل والاستثمار والقدرة الشرائية والتنمية، بدل أن يتحول النقاش العمومي قبل الانتخابات إلى أسماء ومواقع وحقائب حكومية محتملة.
أما التسريب نفسه فيطرح سؤالا داخليا لا يقل أهمية: كيف خرج جزء من نقاش اجتماع للمكتب السياسي يفترض أنه مغلق؟ ومن كانت له مصلحة في إخراجه إلى المجال العام وفي هذا التوقيت تحديدا؟
لكن مهما كانت الإجابة عن سؤال مصدر التسريب، فإنها لن تلغي السؤال السياسي الذي أصبح مطروحا بعد تصريح محمد شوكي لجريدة هسبريس.
فحديث رئيس الحزب عن «تسريب جزء من نقاشات اجتماع المكتب السياسي» يجعل القضية أبعد من مجرد تسجيل مجهول يتداول على منصات التواصل الاجتماعي، بينما تشديده على التحوير والاجتزاء يجعل معرفة السياق الكامل ضرورة قبل إصدار أحكام نهائية على مضمون ما قيل.
وبين الأمرين تبقى هناك مساحة تحتاج إلى توضيح سياسي واضح.
لأن المغاربة لا يحتاجون فقط إلى معرفة من ضغط على زر التسجيل، بل من حقهم أيضا أن يعرفوا السياق الحقيقي للكلام الذي خرج من اجتماع قيادة حزب يقود الحكومة.
وفي النهاية، قد يعرف الحزب من سرب التسجيل، وقد يحسم القضاء في مسؤولية من قام بتحويره أو نشره، لكن السؤال السياسي سيظل قائما: إذا كانت الحقائب الحكومية قد حضرت فعلا في النقاش، فلماذا تناقش قبل أن يقول الناخبون كلمتهم؟
فالانتخابات لا ينبغي أن تأتي بعد توزيع الأدوار، بل توزيع المسؤوليات الحكومية هو الذي يفترض أن يأتي بعد أن تفرز صناديق الاقتراع موازين القوى الجديدة.