حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

42 مليار درهم من الاستثمارات.. هل بدأت الجهات تأخذ نصيبها من المشاريع الكبرى؟

تدخل خريطة الاستثمار في المغرب مرحلة جديدة، بعدما لم تعد المشاريع الصناعية الكبرى مرتبطة حصريا بالمحاور الاقتصادية التقليدية، إذ بدأت استثمارات بمليارات الدراهم تتجه نحو أقاليم ومدن ظلت لسنوات تبحث عن موقع أكبر داخل الدورة الاقتصادية الوطنية.
وتصل قيمة مجموعة من المشاريع الاستثمارية التي تمت المصادقة عليها إلى حوالي 42 مليار درهم، مع توقع إحداث نحو 9800 منصب شغل مباشر وغير مباشر، موزعة على عدد من القطاعات والمناطق بالمملكة.
وتكمن أهمية هذه الاستثمارات في انتشارها الجغرافي، إذ تشمل مشاريع في 16 إقليما وعمالة موزعة على ست جهات، من بينها الحوز والجديدة ومولاي يعقوب والناظور والرحامنة وتارودانت، إلى جانب استثمارات صناعية في جهات الدار البيضاء سطات والرباط سلا القنيطرة وفاس مكناس وطنجة تطوان الحسيمة.
هذه الخريطة تحمل مؤشرا مهما: الاستثمار بدأ يبحث عن الأراضي والكفاءات والفرص خارج المركز الاقتصادي التقليدي، وهو تحول يمكن أن يساعد على خلق أقطاب إنتاج جديدة إذا استمرت الدينامية خلال السنوات المقبلة.
فالجهة التي تستقبل مصنعا كبيرا لا تستفيد فقط من الوظائف المباشرة التي يوفرها. حول كل وحدة صناعية تنشأ حاجيات في النقل والصيانة والمطاعم والسكن والخدمات والتخزين والمناولة، ما يسمح بتكوين اقتصاد محلي يمتد تأثيره إلى المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
وتبرز صناعة السيارات الكهربائية والطيران والنسيج ضمن القطاعات التي تستقطب جزءا من الاستثمارات الجديدة، وهي أنشطة تحمل قيمة مضافة أكبر وتحتاج إلى كفاءات تقنية، ما يجعل التكوين المهني والجامعات جزءا أساسيا من نجاح أي مشروع صناعي.
لكن الأرقام الكبيرة لا ينبغي أن تحجب السؤال الأهم: كم مشروعا من هذه المشاريع سيصل فعليا إلى مرحلة الإنتاج؟
فالمصادقة على الاستثمار خطوة أولى، بينما يبدأ الاختبار الحقيقي عند توفير العقار والتراخيص والتمويل والربط بالماء والكهرباء والطرق، ثم احترام آجال البناء وبدء التشغيل.
كما أن الحديث عن آلاف الوظائف يفرض التمييز بين المناصب المباشرة وغير المباشرة، وبين التوقعات المعلنة والوظائف التي ستحدث فعليا بعد دخول المشاريع مرحلة الاستغلال.
وهذه الدقة ضرورية حتى لا تتحول الأرقام الاستثمارية إلى وعود تسبق الواقع، لأن المواطن في الناظور أو تارودانت أو الحوز أو مولاي يعقوب لا يقيس نجاح الاستثمار بمبلغ الاتفاقية، وإنما بفرصة العمل التي تصل إلى أسرته وبالمقاولة التي تجد سوقا جديدا وبالحركة الاقتصادية التي تظهر في مدينته.
التحدي الآخر هو ألا تستقبل الجهات المصانع فقط، بل أن تحتفظ بجزء مهم من القيمة التي تنتجها. وهذا يمر عبر تأهيل المقاولات المحلية للدخول في سلاسل التوريد، وتكوين الشباب وفق احتياجات المستثمرين، وتحسين الخدمات والبنيات المحيطة بالمناطق الصناعية.
المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في بناء أقطاب صناعية قوية، لكن المرحلة المقبلة تبدو أكثر تعقيدا: نقل جزء من هذا النجاح إلى مناطق جديدة دون التضحية بالتنافسية التي يبحث عنها المستثمر.
فإذا تحولت الاستثمارات المعلنة إلى مصانع ووظائف وسلاسل إنتاج فعلية، فإن القيمة الحقيقية لـ42 مليار درهم لن تكون في حجم الأموال المستثمرة فقط، بل في قدرتها على تقليص الفوارق الاقتصادية بين جهات المغرب.
وهنا سيكون المعيار واضحا: الاستثمار الناجح ليس المشروع الذي يحصل على الموافقة، وإنما المشروع الذي يفتح أبوابه، يشغل أبناء المنطقة، ويترك وراءه اقتصادا محليا أقوى مما كان عليه قبل وصوله.