دخل ملف الأمن المائي في المغرب مرحلة تتجاوز منطق تدبير النقص الموسمي إلى بناء شبكة جديدة تقوم على ربط الأحواض المائية ونقل الموارد من المناطق الأكثر وفرة نحو الجهات التي تعاني ضغطا متزايدا، في تحول استراتيجي يعكس حجم التحدي الذي أصبح يفرضه توالي سنوات الجفاف وارتفاع الطلب على الماء.
البرنامج المائي الوطني، الذي تصل كلفته إلى مستويات استثمارية ضخمة، لا يقتصر على بناء السدود أو محطات التحلية، بل يضع نقل المياه بين الأحواض ضمن الأدوات الأساسية لضمان استمرارية التزويد وتقليص الفوارق بين مناطق المملكة.
وتقوم الفكرة على الاستفادة من الفائض النسبي في بعض الأحواض خلال فترات معينة، ونقله عبر قنوات ومنشآت كبرى نحو مناطق تعرف خصاصا أو ضغطا مرتفعا على الموارد، بما يسمح بإعادة توزيع الماء وفق حاجيات السكان والفلاحة والصناعة.
هذا التحول يحمل بعدا جهويا واضحا. فالماء لم يعد مجرد مورد طبيعي تحدده الجغرافيا، بل أصبح جزءا من البنية التحتية الوطنية، على غرار الطرق والسكك الحديدية، يحتاج إلى شبكات قادرة على نقل الموارد بين الجهات عندما تفرض الظروف ذلك.
ويكتسي هذا الخيار أهمية خاصة بالنسبة إلى المدن الكبرى والمناطق الصناعية التي تعرف نموا سكانيا واقتصاديا متسارعا، إذ إن استمرار الاستثمار واستقبال مشاريع جديدة يظل مرتبطا بقدرة الشبكات المائية على مواكبة الطلب دون التأثير على حاجيات السكان أو النشاط الفلاحي.
لكن نقل المياه بين الأحواض ليس حلا تقنيا بسيطا. فهو يحتاج إلى استثمارات كبيرة في القنوات ومحطات الضخ والطاقة والصيانة، كما يتطلب تدبيرا دقيقا لتجنب خلق ضغط جديد على الأحواض التي يتم نقل المياه منها.
ومن هنا يظهر أن الأمن المائي المغربي يتجه نحو نموذج متعدد المصادر: السدود، تحلية مياه البحر، إعادة استعمال المياه العادمة، الاقتصاد في الاستهلاك، ثم نقل المياه بين الأحواض.
هذه المقاربة قد تغير تدريجيا العلاقة التقليدية بين الجهة ومواردها المائية. فالمنطقة التي كانت تعتمد حصريا على أمطارها وسدودها يمكن أن تصبح جزءا من شبكة وطنية أوسع، تستقبل الماء أو تساهم في تزويد مناطق أخرى بحسب وضعية الموارد.
ويبقى الرهان الأكبر في عدالة توزيع الماء بين الاستعمالات المختلفة. فنجاح المشاريع الكبرى لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات من القنوات أو حجم المياه المنقولة، بل بقدرتها على ضمان الماء الصالح للشرب للمواطن، ودعم الاقتصاد، وحماية الفلاحة دون استنزاف الموارد.
كما أن الاستثمار في نقل الماء يمكن أن يمنح بعض الجهات فرصا اقتصادية جديدة، لأن توفر الموارد المائية أصبح أحد أهم العناصر التي تدرسها الشركات قبل اختيار مواقع مصانعها ومشاريعها.
المغرب بذلك لا يبني فقط منشآت مائية، بل يعيد تشكيل خريطة توزيع مورد أصبح أكثر استراتيجية من أي وقت مضى.
حجم الخط
+
-
2 دقائق للقراءة



