حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

مغاربة العالم والانتخابات.. وطن يسكنهم فهل تسكن أصواتهم مؤسساته؟

ليس المغربي المقيم في الخارج مواطناً موسمياً يبدأ حضوره عند بوابة المطار في الصيف وينتهي مع آخر سيارة تغادر في اتجاه الموانئ. كما أن علاقته بوطنه لا يمكن اختصارها في تحويل مالي أو استثمار أو حقيبة تعود محملة بالهدايا. خلف عبارة «مغاربة العالم» ملايين المواطنين الذين يحملون المغرب معهم أينما استقروا، يتابعون تحولاته، ويساهمون في اقتصاده، ويدافعون عن مصالحه وصورته في الخارج، بينما يعود السؤال نفسه كلما اقترب موعد انتخابي: أين يوجد صوت هؤلاء داخل المؤسسات المنتخبة؟

سؤال ليس جديداً، لكنه يزداد ثقلاً كلما تغيرت تركيبة الجالية واتسعت مساهمتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة. ومع عودة النقاش حول المشاركة السياسية للمغاربة المقيمين بالخارج، لم يعد من المناسب التعامل مع الملف باعتباره مطلباً حزبياً يظهر في موسم الانتخابات ثم يتراجع بعد إغلاق صناديق الاقتراع. القضية أكبر من حسابات المقاعد والدوائر، لأنها ترتبط في جوهرها بمعنى المواطنة وبحق المواطن في المشاركة في صناعة القرار مهما ابتعد جغرافياً عن وطنه.

لقد تغيرت الجالية المغربية جذرياً عن الصورة التي التصقت بأجيال الهجرة الأولى. فالمغربي في الخارج اليوم ليس عاملاً مهاجراً فقط، بل طبيب ومهندس وأستاذ جامعي وباحث ورجل أعمال وفنان ورياضي وإطار في مؤسسات وشركات دولية. وهناك أجيال ولدت في بروكسيل وباريس ومدريد وأمستردام ومونتريال ونيويورك ومدن أخرى، لكنها ما تزال تحمل ارتباطاً قوياً بالمغرب وتبحث عن مساحة أوسع للمساهمة في مستقبله.

هذه الكفاءات لا تحتاج فقط إلى خطابات تشيد بنجاحها كلما تألق مغربي في جامعة أو مختبر أو شركة عالمية، وإنما تحتاج إلى جسور حقيقية تسمح لها بنقل خبراتها وتجاربها إلى وطنها والمشاركة في النقاش حول مستقبله. فالمغرب الذي يراهن على الاستثمار وعلى استقطاب الكفاءات وعلى تعزيز موقعه الدولي لا يستطيع أن ينظر إلى مواطنيه في الخارج باعتبارهم قوة مالية فقط. التحويلات مهمة والاستثمارات ضرورية، لكن المواطن ليس حساباً بنكياً، والمواطنة لا تقاس بعدد العملات الصعبة التي تدخل إلى البلاد.

وهنا تظهر مفارقة يصعب تجاهلها. ففي كل صيف تتحول قضايا مغاربة العالم إلى أولوية وطنية. تعبأ المطارات والموانئ، وتستعد الإدارات، وتطلق المؤسسات مبادراتها، وتقدم البنوك عروضها، وتتنافس الشركات على استقطاب هذه الفئة، ويصبح مغاربة العالم عنواناً مركزياً في الخطاب العام. لكن عندما ينتقل النقاش من الخدمات والتحويلات والاستثمارات إلى المشاركة السياسية المباشرة، تظهر فجأة سلسلة طويلة من الأسئلة القانونية والتقنية والتنظيمية.

ولا شك أن تنظيم مشاركة انتخابية لملايين المواطنين المنتشرين عبر عشرات الدول ليس عملية بسيطة. فهناك قضايا مرتبطة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية وتحديد الدوائر وآليات التصويت والتمثيل والحملات الانتخابية وضمان تكافؤ الفرص، إلى جانب اختلاف القوانين في دول الإقامة. غير أن تعقيد الملف لا يمكن أن يتحول إلى مبرر دائم لتأجيل النقاش فيه. فالسياسة في النهاية وجدت لإيجاد حلول للمشكلات المعقدة، لا لتحويل تعقيدها إلى سبب لبقائها دون حل.

والنقاش الأكثر جدية لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال ما إذا كان مغاربة الخارج سيشاركون أم لا، بل ينبغي أن ينتقل إلى سؤال أكثر نضجاً: ما النموذج الذي يمكن أن يضمن مشاركة حقيقية وفعالة؟

هل يكون ذلك عبر دوائر انتخابية خاصة بمغاربة العالم؟ وكيف يمكن ضمان تمثيل مختلف مناطق العالم وعدم اختزال الجالية في أوروبا الغربية وحدها؟ وكيف يمكن بناء نظام يمنح المغاربة المقيمين في الخارج صوتاً حقيقياً دون تحويل مقاعدهم إلى امتداد للمنافسات الحزبية الداخلية؟ ثم كيف يمكن اختيار ممثلين يعرفون فعلاً تفاصيل حياة الجالية وقضاياها، لا أسماء تظهر قبل الانتخابات ثم تختفي بعدها؟

فالتمثيل السياسي الحقيقي ليس مجرد إضافة بضعة مقاعد إلى البرلمان. معناه أن يشعر المغربي المقيم في الخارج بأن هناك من يحمل داخل المؤسسة التشريعية القضايا التي يعيشها يومياً ويفهم تفاصيلها وتعقيداتها.

وقضايا الجالية نفسها تغيرت. لم تعد تقتصر على مشكلات العبور أو الوثائق الإدارية خلال العطلة الصيفية، وإنما أصبحت تشمل الاستثمار والعقار والضرائب والحماية الاجتماعية والاعتراف بالشهادات وتدريس اللغة والثقافة المغربية لأبناء الأجيال الجديدة وصعوبات العودة النهائية ونقل الخبرات إلى المغرب، إلى جانب مشاكل أسرية وقانونية تتقاطع فيها التشريعات المغربية مع قوانين دول الإقامة.

وجود صوت سياسي فعال لهذه الفئة يمكن أن يجعل هذه الملفات جزءاً دائماً من النقاش المؤسساتي، بدلاً من انتظار تحول كل مشكلة إلى أزمة حتى تجد طريقها إلى الواجهة.

لكن المسؤولية لا تقع على المؤسسات والأحزاب وحدها. مغاربة العالم أنفسهم مطالبون ببناء مشاركة سياسية أكثر نضجاً، لأن المطالبة بالتمثيل تفرض أيضاً الانخراط في النقاش العمومي وإنتاج نخب قادرة على الدفاع عن مصالح الجالية والمساهمة في القضايا الوطنية بعيداً عن المزايدات والشعارات.

والأحزاب المغربية بدورها مطالبة بمراجعة الطريقة التي تنظر بها إلى هذه الفئة. فلا يكفي البحث عن أسماء من الخارج عند اقتراب الانتخابات أو تنظيم لقاءات موسمية خلال الصيف. المطلوب عمل سياسي مستمر يسمح ببروز جيل جديد من المغاربة الذين يعرفون وطنهم كما يعرفون المجتمعات التي يعيشون فيها، ويستطيعون تحويل هذه التجربة المزدوجة إلى قيمة مضافة للمغرب.

فالجالية ليست مجرد خزان انتخابي محتمل، كما أنها ليست مجرد مصدر للتحويلات المالية. إنها شبكة بشرية استثنائية تمتد عبر القارات وتوجد داخل الجامعات والمختبرات والمستشفيات والشركات والمؤسسات الدولية ومراكز القرار الاقتصادي والثقافي. وهذه قوة لا ينبغي قياسها فقط بما ترسله من أموال، وإنما بما تمتلكه من معرفة وتجربة وعلاقات وقدرة على بناء جسور بين المغرب والعالم.

لقد تغير المغرب، وتغير مغاربة العالم معه. ولذلك أصبح من الطبيعي أن يتغير أيضاً شكل العلاقة السياسية بينهما.

وإذا كان الوطن يفتح أبوابه لأبنائه عند الموانئ والمطارات كل صيف، ويحتفي بنجاحهم ويطلب استثماراتهم وخبراتهم، فإن من المشروع أن يشعر هؤلاء بأن المسافة الجغرافية لا تقلل من قيمة مواطنتهم ولا تجعل حضورهم في مؤسسات بلدهم مسألة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

فالمغربي قد يعيش على بعد آلاف الكيلومترات من الرباط، وقد يحمل في جيبه بطاقة إقامة أجنبية أو جنسية ثانية، وقد يتحدث أبناؤه بلغة البلد الذي ولدوا فيه، لكنه عندما يتعلق الأمر بوطنه الأصلي لا ينبغي أن يتحول إلى مواطن يُطلب منه أن يساهم في كل شيء ثم يبقى صوته السياسي واقفاً عند الحدود.

فالوطن الذي يسكن أبناءه في الخارج، من حقه أن ينتظر وفاءهم وانخراطهم، ومن حقهم أيضاً أن يسألوا، بكل هدوء ومشروعية: متى تسكن أصواتنا مؤسساته؟