حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

في سياق الاستعدادات المتسارعة لتنظيم كأس العالم 2030، احتضن المغرب اجتماعاً رفيع المستوى جمع وزراء العدل بكل من المغرب وإسبانيا والبرتغال، في خطوة تعكس تحولاً عميقاً في مقاربة تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، حيث لم يعد البعد اللوجستي وحده كافياً، بل أصبح الإطار القانوني ركيزة أساسية لضمان نجاح الحدث.

اللقاء عرف حضور شخصيات وازنة، من بينها محمد عبد النبوي بصفته رئيس السلطة القضائية، وهشام بلوي المسؤول الأول عن النيابة العامة، إلى جانب محمد سعد برادة، فضلاً عن عدد من المسؤولين الحكوميين والفاعلين في مجالي العدالة والرياضة، وممثلين عن مؤسسات مرتبطة بمونديال 2030، ما منح هذا الاجتماع بعداً استراتيجياً يتجاوز التنسيق الظرفي نحو بناء رؤية متكاملة.

في كلمته الترحيبية، أكد وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن كرة القدم، رغم بساطتها الظاهرية، تقوم على منظومة دقيقة من القوانين، تضمن التوازن داخل الملعب وتحمي روح اللعبة. وأوضح أن وجود الحكام ليس بهدف الردع، بل لصون عدالة المنافسة وضمان متعة الجماهير، مشدداً على أن القانون الرياضي يجب أن يُفهم كأداة حماية لا كوسيلة تضييق.

وأضاف أن الرهان المرتبط بمونديال 2030 لا يقتصر على البنيات التحتية أو الجوانب التنظيمية، بل يمتد إلى إرساء نموذج قانوني حديث يضمن الأمن والانفتاح في آن واحد، مبرزاً أن المغرب يعمل على تطوير ترسانة قانونية متقدمة، تشمل إعداد نصوص جنائية خاصة تواكب هذا الحدث العالمي، بما يحقق التوازن بين صرامة القانون وروح الفرجة.

وفي بعده الحضاري، أشار وهبي إلى أن هذا المونديال يمثل أكثر من مجرد منافسة كروية، بل هو لقاء بين إفريقيا وأوروبا، وتجسيد حي لتلاقي الثقافات وتعايش الشعوب، مؤكداً أن كرة القدم لم تعد مرتبطة بحدود جغرافية، بل تحولت إلى لغة إنسانية عالمية قائمة على الإحساس والانتماء.

من جهته، نوه معاد حجي، ممثل مؤسسة “مغرب 2030”، بالمجهودات التي تبذلها وزارة العدل، مؤكداً أن المغرب رسخ مكانته كبلد مضياف وقادر على احتضان التظاهرات الكبرى. واعتبر أن نجاح هذا العرس الكروي رهين بتكامل الأدوار وتكثيف التنسيق بين مختلف المتدخلين، مشيراً إلى أن ما يتم الاشتغال عليه اليوم يعكس جاهزية حقيقية لتنظيم استثنائي.

كما أبرز أن التجربة التي راكمها المغرب خلال التظاهرات القارية، وعلى رأسها كأس إفريقيا للأمم، ساهمت في تطوير آليات فعالة لتدبير الجماهير وضمان انضباط الملاعب، مشيداً في هذا السياق بالدور المحوري للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

بدوره، عبّر وزير العدل الإسباني عن إعجابه بمستوى التنظيم المغربي وحفاوة الاستقبال، مؤكداً أن العد التنازلي لإنجاح مونديال 2030 قد انطلق فعلياً. واعتبر أن هذا الحدث يشكل رسالة قوية للعالم، مفادها أن دولاً مختلفة في ثقافاتها وأنظمتها قادرة على التعاون وتقديم نموذج مشترك قائم على الاحترام المتبادل.

وأشار إلى أن هذا التعاون الثلاثي يؤسس لمسار جديد من التنسيق القانوني، يواكب مختلف مراحل التحضير للمونديال، ويضمن نجاحه على كافة المستويات، من التنظيم إلى الأمن وصولاً إلى حماية حقوق الجماهير والفاعلين.

من جهتها، شددت وزيرة العدل البرتغالية على أن الانطلاق من زاوية العدالة يعكس وعياً استراتيجياً بأهمية البعد القانوني في إنجاح التظاهرات الكبرى، منوهة بجودة التنظيم المغربي ومستوى الاستقبال. وأكدت أن الثقة المتبادلة بين الدول الثلاث تشكل حجر الزاوية في هذا المشروع المشترك.

كما دعت إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات القضائية وتكثيف التنسيق بين المحاكم، بما يضمن جاهزية قانونية شاملة تواكب تطلعات هذا الحدث العالمي، معتبرة أن التحدي لا يكمن فقط في التنظيم، بل في تقديم تجربة إنسانية متكاملة تعكس القيم النبيلة لكرة القدم.

ويكرس هذا اللقاء الثلاثي توجهاً جديداً يرى في كرة القدم فضاءً يتجاوز المنافسة الرياضية، ليصبح مجالاً لتقاطع القوانين وتلاقي الثقافات وترسيخ القيم المشتركة. وفي أفق مونديال 2030، يبدو أن المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لا يكتفي بالتحضير لتنظيم حدث عالمي، بل يسعى إلى بناء نموذج حضاري متكامل، تكون فيه العدالة شريكاً أساسياً في صناعة الفرجة.