حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

كهرباء المغرب نحو ألمانيا.. مشروع عملاق يفتح ممرا جديدا للطاقة الخضراء

يخطو المغرب خطوة جديدة في مساره نحو التحول إلى قوة إقليمية في مجال الطاقات المتجددة، مع تقدم مشروع «سيلا أتلانتيك» الطموح، الذي يقوم على فكرة إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء النظيفة بالمملكة ونقلها مباشرة إلى ألمانيا عبر رابط بحري عالي الجهد يمتد لآلاف الكيلومترات، في مشروع يمكن أن يفتح ممرا طاقيا جديدا بين إفريقيا وقلب أوروبا.
ويعتمد التصور المطروح للمشروع على استغلال الإمكانات الشمسية والريحية الكبيرة التي يتوفر عليها المغرب، من خلال تطوير قدرات إنتاجية ضخمة مدعومة بأنظمة لتخزين الكهرباء، بما يسمح بتوفير الطاقة بصورة أكثر انتظاما وتقليص تأثير تقلب إنتاج الشمس والرياح.
وتشير المعطيات المتداولة حول المشروع إلى قدرة مستهدفة لنقل الكهرباء في حدود 3.6 جيغاواط، عبر كابلين بحريين للتيار المستمر عالي الجهد يمتدان لنحو 4800 كيلومتر وصولا إلى ألمانيا، مع إمكانية تصدير ما يقارب 26 تيراواط ساعة من الكهرباء سنويا في حال اكتمال المشروع وفق التصور الحالي.
وبهذه الأرقام، لا يتعلق الأمر بربط كهربائي محدود، وإنما ببنية تحتية طاقية ذات أبعاد استراتيجية يمكن أن تمنح المغرب موقعا جديدا داخل منظومة الطاقة الأوروبية، خصوصا في ظل سعي دول الاتحاد الأوروبي إلى تنويع مصادر الإمداد وتسريع الانتقال نحو الكهرباء منخفضة الكربون.
ويمتلك المغرب أوراقا مهمة للدخول إلى هذه السوق، في مقدمتها الموقع الجغرافي والإشعاع الشمسي والقدرات الريحية، إلى جانب الخبرة التي راكمتها المملكة خلال السنوات الماضية في تطوير مشاريع كبرى للطاقة المتجددة.
لكن الأهمية الاقتصادية للمشروع بالنسبة إلى المغرب لا ينبغي أن تتوقف عند تصدير الكهرباء. فالقيمة الأكبر يمكن أن تتحقق من خلال بناء صناعة متكاملة حول الطاقة النظيفة، تشمل تصنيع المعدات والتخزين والهندسة والصيانة والخدمات والتكنولوجيا، إلى جانب توفير كهرباء تنافسية للصناعات الوطنية الجديدة.
كما يمكن لمشاريع بهذا الحجم أن تعزز جاذبية المغرب أمام الصناعات الأوروبية الباحثة عن مواقع إنتاج قريبة من القارة وقادرة على توفير طاقة متجددة، خصوصا مع تشديد المعايير البيئية المرتبطة بالوصول إلى الأسواق الأوروبية.
ويطرح المشروع كذلك سؤال الأمن الطاقي المغربي. فإقامة رابط كهربائي بهذه الضخامة ستكون أكثر فائدة للمملكة إذا لم تعمل في اتجاه واحد فقط، بل أتاحت تبادل الكهرباء عند الحاجة، بما يعزز مرونة الشبكة الوطنية ويجعل الربط مع أوروبا جزءا من منظومة متكاملة وليس مجرد قناة للتصدير.
وتقدر الكلفة الاستثمارية المتداولة للمشروع بعشرات المليارات من اليورو، وهو ما يعني أن الانتقال من الفكرة إلى التنفيذ يحتاج إلى ترتيبات مالية وقانونية وتقنية معقدة، واتفاقات طويلة الأمد بشأن شراء الكهرباء واستقرار الإطار التنظيمي وآليات الربط بالشبكات الأوروبية.
ولهذا يبقى «سيلا أتلانتيك» في مرحلته الحالية مشروعا قيد التطوير والدراسة، وليس خطا دخل الخدمة أو ورشا اكتمل قرار إنجازه النهائي، وهي نقطة أساسية لفهم حجم التطور دون استباق المراحل التي لا تزال أمامه.
ومع ذلك، تكشف الفكرة عن تحول أوسع في موقع المغرب داخل خريطة الطاقة. فبعد سنوات من التركيز على تقليص التبعية الطاقية وتطوير الإنتاج المتجدد محليا، أصبحت المملكة أمام فرصة للانتقال إلى مستوى آخر يقوم على تحويل الشمس والرياح إلى مورد اقتصادي قابل للتصدير وجذب الاستثمارات والصناعات المرتبطة به.
وإذا نجح المشروع في اجتياز تحديات التمويل والتراخيص والربط التقني والوصول إلى قرار استثماري نهائي، فإن المسافة التي تفصل المغرب عن ألمانيا لن تعود مجرد آلاف الكيلومترات عبر المحيط والسواحل الأوروبية، بل قد تتحول إلى واحد من أطول الممرات الكهربائية التي تربط جنوب المتوسط بأكبر اقتصاد في أوروبا.
الرهان إذن أكبر من كابل تحت البحر. إنه يتعلق بالموقع الذي يريد المغرب احتلاله في اقتصاد الطاقة الجديد: بلد لا يكتفي بإنتاج الكهرباء النظيفة لتغطية حاجياته، بل يحول موارده الطبيعية إلى صناعة واستثمار وجسر استراتيجي للطاقة بين إفريقيا وأوروبا.