أعادت القضية التي انتهت بإدانة صانع المحتوى المعروف بلقب «مول الحوت» النقاش حول المسؤولية القانونية المترتبة عن نشر مقاطع مصورة أو تصريحات تتضمن اتهامات أو عبارات تمس بسمعة الأشخاص والهيئات، خصوصا مع اتساع استعمال منصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى فضاء لتداول محتويات قد تتجاوز حدود النقد وإبداء الرأي.
وقضت المحكمة الابتدائية بمراكش، في حق مايعرف بـ”مول الحوت” بستة أشهر حبسا موقوفة التنفيذ، وغرامة مالية نافذة قدرها 10 آلاف درهم، إلى جانب تعويض مدني لفائدة نادي الكوكب المراكشي حُدد في 50 ألف درهم، وذلك على خلفية شكاية تقدم بها مسؤولو النادي بسبب مقاطع فيديو اعتبروا أنها تضمنت إساءة إلى الفريق، عقب مباراته أمام الوداد الرياضي.
وتكتسي هذه القضية أهمية تتجاوز أطراف النزاع، بالنظر إلى ما تطرحه من أسئلة بشأن الحدود الفاصلة بين حرية التعبير والنقد الرياضي أو إبداء المواقف، وبين الأفعال التي يمكن أن تترتب عنها مسؤولية قانونية، عندما تتضمن اتهامات أو عبارات تمس بسمعة أشخاص أو مؤسسات.
وفي هذا السياق، يتضمن التشريع المغربي مقتضيات واضحة بشأن القذف والسب. فالفصل 442 من مجموعة القانون الجنائي يعرف القذف باعتباره ادعاء أو نسبة واقعة تمس شرف الشخص أو اعتباره، بينما يعرف الفصل 443 السب باعتباره تعبيرا مشينا أو لفظ تحقير أو قدحا لا يتضمن نسبة واقعة محددة. ويحيل الفصل 444 القذف والسب العلنيين على المقتضيات القانونية المنظمة لهما.
كما ينص الفصل 447-2 من مجموعة القانون الجنائي على معاقبة من يقوم، بأي وسيلة، بما فيها الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم، بالعقوبات المحددة في هذا الفصل. ويظل تطبيق هذا المقتضى مرتبطا بتوافر عناصره القانونية، ولا يكفي مجرد الاختلاف مع مضمون منشور أو اعتباره مسيئا للقول بارتكاب هذه الجريمة.
ومن جهة أخرى، ينظم القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر عددا من الأفعال المرتبطة بالنشر. فالمادة 72 تتعلق بنشر أو إذاعة أو نقل أخبار زائفة أو ادعاءات أو وقائع غير صحيحة بسوء نية، عندما يترتب عن ذلك اضطراب النظام العام أو إثارة الفزع بين السكان.
أما المادة 83 فتحدد مفهوم القذف والسب في نطاق هذا القانون، فيما تنص المادة 85 على الغرامة المتعلقة بالقذف المرتكب في حق الأفراد بواسطة وسائل النشر المحددة قانونا.
وتبرز أهمية هذه المقتضيات في ظل الانتشار الواسع للمحتويات الرقمية، حيث أصبح بإمكان أي شخص نشر تسجيل أو اتهام أو تعليق يصل إلى عدد كبير من المتابعين في وقت وجيز.
غير أن انتشار المحتوى لا يعفي صاحبه من المسؤولية إذا ثبت أن ما نشره يشكل فعلا مخالفا للقانون، كما أن استعمال المنصات الرقمية لا يحول دون ترتيب الآثار القانونية على الأفعال المرتكبة من خلالها.
وفي المقابل، لا ينبغي الخلط بين النقد المشروع والتشهير؛ فانتقاد أداء فريق رياضي أو مسؤول أو مؤسسة، أو التعبير عن موقف بشأن تدبيرها، يختلف قانونيا عن نسبة وقائع محددة تمس الشرف والاعتبار، أو نشر ادعاءات كاذبة بقصد التشهير. ويبقى تقدير الوقائع وتكييفها القانوني من اختصاص القضاء، بناء على الأدلة والظروف المحيطة بكل قضية.
وتعيد قضية مراكش، بهذا المعنى، طرح مسؤولية صناع المحتوى ومستخدمي المنصات الرقمية عن مضامين ما ينشرونه، خصوصا عندما تتحول مقاطع الفيديو والتعليقات إلى وسيلة لتوجيه اتهامات أو المس بسمعة الغير. فحرية التعبير لا تعني غياب المسؤولية،
كما أن اللجوء إلى القضاء يظل الطريق القانوني للفصل في النزاعات وتحديد ما إذا كان المحتوى المنشور يتجاوز حدود التعبير المشروع.



