لم تعد القواعد القانونية والقرارات الإدارية وحدها تتحكم في تنظيم شؤون الدولة والمجتمع، بعدما أصبحت الخوارزميات والتكنولوجيات الحديثة تضطلع بأدوار تنظيمية متزايدة، وهو التحول الذي يفرض، بحسب حسن طارق، الأمين العام للحكومة، مراجعة أدوات التشريع وتطوير قدرتها على مواكبة واقع تتقاطع فيه سلطة القانون مع تأثير الأنظمة التكنولوجية.
وخلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية للأمانة العامة للحكومة برسم سنة 2027، اليوم الخميس 5 نونبر، أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، تحدث طارق عن بروز ما وصفه بـ«التنافس المعياري»، في إشارة إلى دخول آليات جديدة، من بينها الخوارزميات، إلى مجال التنظيم واتخاذ القرار العمومي، بعدما كانت هذه الوظائف حكرا على القواعد القانونية والقرارات الصادرة عن السلطات والمؤسسات العمومية.
وأوضح المسؤول الحكومي أن بعض المهام التي كانت تستوجب تدخلا مباشرا من المؤسسات والسلطات العمومية بات بالإمكان إسنادها إلى الآلات والأنظمة الخوارزمية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن مستقبل القاعدة القانونية وحدود دورها في تأطير المجتمع وتنظيم العلاقات داخله.
واعتبر الأمين العام للحكومة أن مواجهة هذا التحول تقتضي بناء ما سماه «الذكاء القانوني»، من خلال إعادة التفكير في طبيعة النصوص التشريعية والتنظيمية، وجعلها أكثر قدرة على استيعاب التطورات المتسارعة التي تعرفها الدولة والمجتمع.
ولم يحصر طارق التحديات المطروحة أمام المشرع في التحولات الرقمية وحدها، بل أشار أيضا إلى المخاطر التكنولوجية والتغيرات المناخية والذكاء الاصطناعي، باعتبارها مجالات تتسم بالتعقيد وسرعة التطور، وتتطلب قواعد قانونية ذكية قادرة على التكيف والاستباق.
كما ربط هذه التحولات بالتغير الذي يطال وظائف الدولة وأدوار القطاع العام والمؤسسات العمومية، وما يرافقه من تطور في أشكال تدخل الدولة في السياسات العمومية، وهو ما يستدعي، وفق المسؤول ذاته، إعادة النظر في الأدوات المعتمدة في التنظيم والتشريع.
وعلى المستوى المؤسساتي، كشف طارق أن رقمنة المساطر وتحديث وسائل العمل ستكونان ضمن أولويات الأمانة العامة للحكومة خلال سنة 2027، خصوصا في ما يتعلق بإيداع مشاريع النصوص التشريعية والتنظيمية ودراستها.
وأشار في هذا السياق إلى توجه المؤسسة نحو استكشاف إمكانات التكنولوجيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لتطوير قدراتها البحثية والدراسية، وتسريع معالجة الملفات وتحسين أدائها المؤسساتي.
ورغم الانفتاح على هذه الأدوات، شدد الأمين العام للحكومة على ضرورة الحفاظ على المبادئ الأساسية المؤطرة للعمل التشريعي، وفي مقدمتها المشروعية والأمن القانوني، وضمان انسجام النصوص مع الدستور والمنظومة القانونية، بما يجعل تحديث التشريع مواكبا للتطور التكنولوجي دون التفريط في الضوابط القانونية والمؤسساتية.



