حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لم يعد نجاح إصلاح المنظومة الصحية يقاس فقط بعدد المشاريع المبرمجة أو حجم الاعتمادات المالية المرصودة لها، بل بمدى دخول المؤسسات الاستشفائية حيز الخدمة، وتوفرها على الأطر الطبية والأدوية والتجهيزات والتخصصات اللازمة، وقدرة المواطنين على الاستفادة الفعلية من العلاج في آجال معقولة.

هذا التحول في الأولويات وضعه وزير الصحة والحماية الاجتماعية، يونس بجيجو، في صلب توجهات الوزارة خلال المرحلة المقبلة.

وأكد بجيجو، خلال تقديم مشروع الميزانية الفرعية لوزارته برسم سنة 2027 أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، يوم الخميس 5 نونبر 2026، أن تسريع وتيرة إنجاز المشاريع وضمان جودة الخدمات الصحية واستمرارية العلاج وتقليص آجال الولوج إليه، تشكل رهانات المرحلة المقبلة.

وأوضح أن بلوغ الفعلية في الإصلاح يقتضي الانتقال من تعدد الأوراش إلى تركيز الجهود على الأولويات الأكثر أثرا، ومن منطق البرمجة إلى تسريع الإنجاز، ومن تتبع الوسائل إلى قياس النتائج المحققة.

وفي هذا الإطار، حدد الوزير سبع أولويات مترابطة تستند إلى اختيارات البرنامج الحكومي، وتهدف إلى إحداث أثر ملموس في أداء المنظومة الصحية وجودة خدماتها، من بينها تأهيل العرض الصحي وملاءمته مع حاجيات السكان.

وفي هذا السياق، أعلن الارتقاء بالمركزين الاستشفائيين الإقليميين بسطات والقنيطرة إلى مركزين استشفائيين جامعيين، بهدف تقريب خدمات العلاج من المستوى الثالث من ساكنة الإقليمين، وتوفير فضاءات للتكوين السريري والتداريب الاستشفائية لفائدة طلبة كليتي الطب المحدثتين بهما.

كما كشف عن إحداث مركز استشفائي جامعي جديد بالدار البيضاء بطاقة استيعابية مهمة، استجابة لحاجيات ساكنة الجهة والضغط الديموغرافي الذي تعرفه.

غير أن الوزير شدد على أن نجاح الاستثمار في البنيات التحتية الصحية لن يتحقق بمجرد استكمال الأشغال، وإنما يرتبط بجاهزية المؤسسات للدخول الفعلي في الخدمة، وتوفرها على الموارد البشرية والأدوية والتجهيزات والتخصصات الضرورية لضمان استمرارية العلاج وجودته.

ولهذا الغرض، تعتزم الوزارة إرساء منظومة للصيانة الوقائية والاستباقية، تقوم على التتبع المنتظم للحالة التقنية للمنشآت والتجهيزات الصحية، وقياس جاهزيتها ومعدلات استغلالها وآجال إصلاحها.

وفي ما يتعلق بالموارد البشرية، اعتبر بجيجو أن الاستثمار في مهنيي الصحة يشكل أساس نجاح الإصلاح، مبرزا أن جهود الوزارة ستنصب على تحسين ظروف الممارسة المهنية، وتعزيز جاذبية القطاع وتحفيز العاملين به، وتطوير الكفاءات والمسارات المهنية، إلى جانب تحقيق توزيع أكثر توازنا للموارد البشرية وفق حاجيات الجهات والمؤسسات الصحية.

وأضاف أنه سيتم، عند الحاجة، تعبئة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، والانفتاح المنظم على الكفاءات الأجنبية في التخصصات التي تعرف خصاصا، باعتبار ذلك آلية مكملة لتعزيز الرأسمال البشري الوطني.

وأكد في المقابل أن الحوار الاجتماعي على المستويين الوطني والترابي سيظل إطارا لمتابعة الإجراءات المتفق عليها والتشاور بشأن سبل تحسين ظروف الممارسة المهنية.

ويشمل الإصلاح أيضا إعادة النظر في مسار المريض داخل المؤسسة الصحية، من خلال تقليص آجال الانتظار والارتقاء بخدمات المستعجلات والمساعدة الطبية المستعجلة، عبر تعميم وتجويد خدمات الاستقبال والتوجيه، وإرساء نظم محلية وجهوية للمواعيد الطبية، واعتماد تدبير جهوي مندمج للأسرة الاستشفائية، فضلا عن التوسيع التدريجي لخدمة المساعدة الطبية المستعجلة المرتبطة بالرقم الوطني الموحد 141.

وفي ما يرتبط بكلفة العلاج، أكد الوزير أن الوزارة ستساهم بفعالية في مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية لتعويض مصاريف العلاج، في إطار اختصاصات الهيئة العليا للصحة، مع مراعاة استدامة أنظمة التغطية الصحية.

وشدد على أن قيمة التأمين الصحي لا تكتمل إذا ظلت كلفة العلاج عائقا أمام ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية أو سببا في تأجيل العلاج.

وفي هذا الإطار، ذكّر الوزير بالأهداف التي يتضمنها البرنامج الحكومي، والمتمثلة في استكمال التغطية الصحية الشاملة والفعالة، ورفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من نفقات التأمين الإجباري الأساسي عن المرض إلى 50 في المائة في أفق سنة 2031، إلى جانب بلوغ معدل 35 مهنيا صحيا لكل 10 آلاف نسمة.

وعلى المستوى المالي، يقترح مشروع الميزانية الفرعية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية برسم سنة 2027 غلافا ماليا إجماليا يناهز 45,36 مليار درهم، بزيادة تقارب ثلاثة مليارات درهم مقارنة بسنة 2026، أي بنسبة ارتفاع تبلغ 7,08 في المائة.

وتناهز اعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار 14,5 مليار درهم، فيما تبلغ اعتمادات الالتزام حوالي 16,1 مليار درهم، بما يتيح مواصلة تمويل المشاريع المهيكلة وتوفير الرؤية اللازمة لاستمرارية إنجازها.

كما يتضمن المشروع تخصيص ملياري درهم للحساب الخاص بالصيدلية المركزية، إلى جانب إحداث 8000 منصب مالي جديد لدعم حاجيات المنظومة الصحية من الموارد البشرية.

وفي سياق تعزيز الموارد المخصصة للإصلاح، أعلن بجيجو أنه تقرر دعم الميزانية المقترحة باعتمادات إضافية، سيُكشف عن حجمها فور استكمال التدقيقات التقنية الجارية، معتبرا أن ذلك يعكس الأولوية التي توليها الحكومة لإصلاح المنظومة الصحية وحرصها على توفير الإمكانات اللازمة لتسريع تنفيذ الأوراش ذات الأثر المباشر على المواطنين.