يواصل المغرب تنفيذ استراتيجيته الرامية إلى إرساء نموذج صناعي أكثر استدامة، من خلال تسريع وتيرة التحول البيئي لمنظومته الإنتاجية، في سياق يتسم بتزايد متطلبات الانتقال الطاقي العالمي وتشديد المعايير البيئية التي تفرضها الأسواق الدولية. ويضع هذا التوجه إزالة الكربون، والابتكار، والاقتصاد الدائري في صلب السياسة الصناعية للمملكة، بهدف تعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وترسيخ موقع المغرب كشريك صناعي موثوق على الساحة الدولية.
وتسعى المملكة إلى جعل الصناعة الوطنية رافعة للنمو المستدام، عبر تعميم استخدام الطاقات المتجددة والتكنولوجيات النظيفة داخل الوحدات الإنتاجية، بما يساهم في تقليص البصمة الكربونية وتحسين الأداء البيئي للمقاولات، مع الحفاظ على قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
وفي هذا الإطار، أولت الحكومة اهتمامًا خاصًا بمواكبة المقاولات، سواء الصغيرة جدًا أو الصغرى والمتوسطة أو الكبرى، من خلال إطلاق برامج للدعم التقني والمالي تساعدها على التكيف مع المتطلبات البيئية الجديدة. وتشمل هذه البرامج تحفيز الاستثمارات في النجاعة الطاقية، واعتماد تقنيات إنتاج أقل استهلاكًا للطاقة، وتقليص انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
كما تشجع السلطات العمومية المقاولات على إعادة هيكلة سلاسل الإنتاج الخاصة بها، عبر إنجاز تدقيقات طاقية، والحصول على شهادات المطابقة البيئية، وتعزيز استخدام المواد المعاد تدويرها في عمليات التصنيع، بما ينسجم مع المعايير الدولية للتنمية المستدامة.
وبالتوازي مع ذلك، يشهد التخطيط للمناطق الصناعية مراجعة استراتيجية تهدف إلى تحويلها إلى فضاءات صناعية خضراء تعتمد على مصادر الطاقة النظيفة وتتميز بالاستخدام الأمثل للموارد. ويؤكد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، أن هذا التوجه يهدف إلى خفض البصمة الكربونية للمناطق الصناعية، وتعزيز جاذبيتها للاستثمارات، وتحسين تنافسيتها على المستوى الدولي.
ويشكل الاقتصاد الدائري أحد المرتكزات الأساسية لهذه الاستراتيجية، حيث تعمل الوزارة على تشجيع تثمين النفايات الصناعية وإعادة إدماجها في عمليات الإنتاج، بما يحد من استيراد المواد الأولية، ويخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، إلى جانب المساهمة في الحفاظ على الموارد الطبيعية.
كما تولي الحكومة أهمية خاصة لترشيد استعمال المياه في القطاع الصناعي، عبر تشجيع إعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، وتطبيق معايير بيئية صارمة لمعالجة النفايات الصناعية السائلة، بما يضمن حماية الموارد المائية وتعزيز الاستدامة البيئية.
ولتعزيز هذا التحول على المدى الطويل، تراهن المملكة على البحث العلمي والابتكار باعتبارهما محركين أساسيين للتنمية الصناعية. وفي هذا السياق، يوفر صندوق دعم الابتكار آليات لمواكبة المشاريع منذ مرحلة البحث والتطوير، مرورًا بإعداد النماذج الأولية، وصولًا إلى مرحلة التصنيع والتسويق.
كما تعمل الحكومة على تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والمقاولات، من خلال إحداث أقطاب تكنولوجية، وحاضنات للمقاولات الناشئة، ومراكز للابتكار، بما يساهم في نقل التكنولوجيا وتطوير حلول صناعية مبتكرة تستجيب لتحديات المستقبل.
وفي أفق السنوات المقبلة، يطمح المغرب إلى بناء منظومة صناعية خضراء متكاملة، قادرة على تصنيع مكونات الألواح الشمسية والعنفات الريحية محليًا، مع الاستثمار في قطاع الهيدروجين الأخضر، الذي يمثل أحد أبرز رهانات المستقبل الطاقي. ويعزز هذا التوجه مكانة المملكة كفاعل إقليمي ودولي في مجال الطاقات المتجددة والصناعة المستدامة، ويكرس طموحها في أن تصبح منصة صناعية خضراء تخدم الأسواق الإفريقية والأوروبية والعالمية.



