حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

دخلت الأغلبية الحكومية الرباعية مرحلة إعداد برنامجها المشترك، في مسار لا يقتصر على تجميع التعهدات الانتخابية للأحزاب المشكلة لها، بل يتجاوز ذلك إلى بلورة تصور موحد للسياسات العمومية خلال الولاية المقبلة، يستحضر التوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح السنة التشريعية، ويستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت محوراً أساسياً في البرامج الانتخابية.

وفي هذا السياق، باشرت لجنة تقنية مشتركة، تضم ممثلين عن أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، أشغالها بالعاصمة الرباط، عقب انتداب الأمناء العامين لهذه الأحزاب ممثليهم للمشاركة في صياغة المسودة التنفيذية للبرنامج الحكومي.

وتنكب اللجنة على تقريب وجهات النظر بشأن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية، ومواءمة المقترحات الحزبية في مجالات التنمية والتشغيل والحماية الاجتماعية، تمهيداً لإعداد وثيقة مشتركة تؤطر عمل الحكومة المقبلة.

ولا تنحصر مهمة اللجنة في تجميع البرامج الانتخابية أو إعادة ترتيب أولوياتها، بل تتمثل في تحديد نقاط الالتقاء بين مكونات الأغلبية، والتوصل إلى توافقات بشأن الإجراءات التي يمكن اعتمادها خلال الولاية الحكومية، مع مراعاة الإمكانات المالية والاقتصادية للدولة.

وبالتوازي مع هذا العمل التقني، تتواصل المشاورات السياسية بين الأحزاب الأربعة لاستكمال الصياغة والتوصل إلى نسخة نهائية تحظى بموافقتها، قبل تقديم التصريح الحكومي أمام البرلمان.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى التوجيهات التي تضمنها الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، يوم 9 أكتوبر الجاري، والذي دعا إلى جعل المرحلة المقبلة محطة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق قدر أكبر من الإنصاف المجالي، وتحسين ظروف عيش المواطنين.

وشكلت قضايا العدالة الاجتماعية والمجالية، وإصلاح المرافق العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وإحداث فرص الشغل، وتعزيز الحكامة الجيدة، محاور أساسية في التوجيهات الملكية، إلى جانب التأكيد على أهمية الأمن المائي والطاقي والغذائي، ومواصلة الإقلاع الصناعي، وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وتضع هذه التوجيهات أمام اللجنة التقنية مسؤولية استحضار الأولويات الوطنية عند صياغة البرنامج الحكومي، بما يضمن الانتقال من تحديد الأهداف العامة إلى اقتراح تدابير عملية، مقرونة بآجال التنفيذ ومؤشرات التقييم. كما يفرض ذلك ربط الاختيارات الاقتصادية بالنتائج الاجتماعية المنتظرة، حتى لا تظل التنمية محصورة في المؤشرات الكلية، دون أن تنعكس بصورة ملموسة على فرص الشغل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات الأساسية.

وعلى المستوى الانتخابي، توفر برامج الأحزاب الأربعة أرضية أولية لهذه المفاوضات، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحدي ترتيب الأولويات وتحديد الالتزامات التي ستعتمدها الحكومة بصورة مشتركة.

فحزب الأصالة والمعاصرة جعل القدرة الشرائية وإدماج الشباب وتطوير الخدمات الأساسية وتحسين جاذبية الاستثمار ضمن محاور برنامجه الانتخابي، الذي تضمن هدف إحداث مليون منصب شغل صاف خلال الولاية، بكلفة إجمالية معلنة تبلغ 350 مليار درهم على خمس سنوات. ويطرح هذا الالتزام ضرورة تحديد القطاعات التي ستقود عملية خلق فرص الشغل، ومصادر التمويل، ودور الاستثمار الخاص في تحقيق الهدف المعلن.

أما حزب الاستقلال، فقد ركز في برنامجه «وطني.. مستقبلي» على تحسين القدرة الشرائية للأسر، وتقوية الطبقة الوسطى، ودعم المرفق العمومي، ومحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، إلى جانب تعزيز السيادة الاستراتيجية. كما طرح إجراءات مرتبطة بالأجور والمعاشات وإصلاح أنظمة التقاعد ودعم التشغيل الذاتي والاقتصاد الاجتماعي والتضامني.

من جهته، يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تصورا يستند إلى الديمقراطية الاجتماعية والتنمية العادلة وتوسيع استفادة المواطنين من ثمار النمو، مع التركيز على الإنصاف وتكافؤ الفرص وتقوية دور السياسات العمومية في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

بدوره، جعل حزب التقدم والاشتراكية الاستثمار في الإنسان، وتقوية المدرسة والمستشفى العموميين، وإحداث فرص الشغل، وإعادة بناء الطبقة الوسطى وتعزيز العدالة الاجتماعية، ضمن أبرز محاور برنامجه للفترة 2027-2031، بما يفتح المجال أمام نقاش حول موقع الخدمات العمومية والحماية الاجتماعية في التوجهات النهائية للحكومة.

وتكشف هذه البرامج عن تقاطعات واضحة في عدد من الملفات، خصوصاً التشغيل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والحماية الاجتماعية، غير أن الاتفاق على هذه العناوين لا يعني بالضرورة التطابق في الوسائل والاختيارات الاقتصادية. وهنا تبرز أهمية اللجنة التقنية المشتركة، باعتبارها الإطار الذي يفترض أن يحول التقارب السياسي إلى التزامات محددة، ويعالج الاختلافات بشأن الأولويات والموارد وآليات التنفيذ.

ويبدو ملف القدرة الشرائية مرشحاً لاحتلال موقع متقدم في البرنامج الحكومي، بالنظر إلى حضوره في برامج الأحزاب الأربعة وارتباطه المباشر بالانتظارات اليومية للأسر. وسيكون التحدي هو تحديد التدابير التي ستعتمدها الحكومة لتحسين الدخل ومواجهة الضغوط على ميزانيات الأسر، مع مراعاة التوازنات المالية وفعالية آليات الدعم والحماية الاجتماعية.

كما يشكل التشغيل أحد أبرز الاختبارات التي ستواجه الأغلبية الجديدة، خاصة في ما يتعلق بإدماج الشباب وتطوير التكوين وربط مخرجات التعليم بحاجيات سوق الشغل. ويقتضي ذلك الانتقال من الوعود العامة إلى تحديد القطاعات الواعدة، وحجم فرص العمل المستهدفة، ودور الاستثمار العمومي والخاص في تحقيقها، فضلاً عن وضع آليات لتقييم النتائج المحققة.

ولا يقل ملف العدالة المجالية أهمية عن هذه الأولويات، خصوصاً في ضوء التوجيهات الملكية المتعلقة بتقريب الخدمات العمومية من المواطنين وتعزيز التنمية الترابية.

ومن المنتظر أن يتوقف جانب من تماسك البرنامج الحكومي على قدرته على تحديد إجراءات عملية للحد من التفاوتات بين الجهات والأقاليم، وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والبنيات الأساسية، وربط المشاريع التنموية بالحاجيات المحلية.

وفي المقابل، سيكون على اللجنة التقنية مراعاة التوازن بين تشجيع الاستثمار والمبادرة الخاصة، من جهة، وتوسيع الحماية الاجتماعية وتحسين الخدمات العمومية، من جهة أخرى. وهو توازن يقتضي تحديد أولويات الإنفاق العمومي، وضمان نجاعة السياسات الاجتماعية، دون تحويل الاختلافات الفكرية بين الأحزاب إلى مصدر لتعطيل القرارات أو إفراغ الالتزامات الانتخابية من مضمونها.

وتكتسي المشاورات السياسية الموازية لأشغال اللجنة أهمية إضافية في هذا الصدد، إذ إن نجاح الصياغة التقنية يظل مرتبطاً بمدى استعداد القيادات الحزبية لاعتماد تسويات واضحة بشأن الملفات الخلافية، والتوافق على برنامج يحدد مسؤوليات القطاعات الحكومية وأهدافها، ويتيح للبرلمان والرأي العام متابعة مستوى الإنجاز.

ومع اقتراب استكمال المسودة، لن يكون معيار نجاح الأغلبية هو عدد الملفات المدرجة في البرنامج الحكومي، بل مدى وضوح الالتزامات التي ستتضمنها الوثيقة، وقابليتها للتنفيذ والقياس، ومدى ارتباطها بالتوجيهات الملكية والوعود التي قدمتها الأحزاب للناخبين.

وبذلك، تشكل اللجنة التقنية المشتركة أول محطة عملية لاختبار قدرة مكونات الأغلبية الرباعية على الانتقال من التوافق السياسي إلى التعاقد الحكومي. وبين اختلاف المرجعيات الحزبية ووحدة المسؤولية الحكومية، ستتحدد ملامح البرنامج المقبل وفق قدرة هذه المكونات على ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتحويل التعهدات إلى نتائج ملموسة، تجعل تحسين ظروف عيش المواطنين المعيار الأساسي للحكم على أداء الحكومة.