حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

تسعى جهة مراكش–آسفي إلى تحويل مؤهلاتها الاقتصادية والطبيعية والبشرية إلى تنمية أكثر توازناً بين مختلف أقاليمها، في إطار رؤية تقوم على تعزيز الاستثمار وتحسين البنيات الأساسية وتطوير الخدمات ومواجهة التحديات المرتبطة بالماء والمناخ والتشغيل، مع إيلاء أهمية خاصة للعالم القروي والمناطق الجبلية.
ويضطلع مجلس الجهة بدور أساسي في التخطيط للتنمية الترابية، من خلال اختصاصات تشمل التنمية الاقتصادية ودعم المقاولات وجذب الاستثمار وتنظيم مناطق الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب التكوين المهني والتشغيل والتنمية القروية والنقل والثقافة والبيئة والتعاون الدولي.
كما تشمل مجالات التدخل تحسين جاذبية المجالات الترابية وتعزيز تنافسيتها، ودعم التنمية المستدامة والبحث العلمي التطبيقي، وتأهيل العالم القروي والمناطق الجبلية، وتطوير البنيات والخدمات الأساسية والمحافظة على الموارد الطبيعية والمائية وتثمين التراث الثقافي والسياحي.
ويشكل برنامج التنمية الجهوية إحدى الأدوات الرئيسية لترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع وبرامج عملية، مع إعطاء الأولوية لملفات تدبير الموارد المائية والتنمية الاقتصادية والتشغيل والتنمية البشرية والمجالية، إلى جانب البرامج الأفقية الداعمة للحكامة وتحسين فعالية الاستثمار العمومي.
وتكتسي قضية الماء أهمية خاصة داخل مراكش–آسفي بالنظر إلى طبيعة المناخ والضغط المتزايد على الموارد المائية وحاجيات المدن والقطاع السياحي والفلاحة والصناعة، ما يجعل تحقيق الأمن المائي أحد الشروط الأساسية لاستدامة النمو الاقتصادي والاجتماعي.
ويرتبط ذلك بضرورة ترشيد الاستهلاك وتطوير الموارد المائية غير التقليدية وتحسين كفاءة شبكات التوزيع والري، إلى جانب تشجيع إعادة استعمال المياه المعالجة واعتماد تقنيات أكثر اقتصاداً للماء داخل الأنشطة الفلاحية والسياحية والصناعية.
كما يفرض التغير المناخي إعادة التفكير في عدد من الأنماط الإنتاجية، من خلال تشجيع الاقتصاد في الماء والطاقة وتطوير الطاقات المتجددة وحماية المجالات الطبيعية والغابوية والحد من التصحر والتلوث، وتعزيز قدرة المناطق القروية والجبلية على مواجهة التحولات المناخية.
وفي المجال الاقتصادي، يتمثل الرهان في خلق منظومات جديدة قادرة على توفير فرص شغل مستدامة للشباب، وعدم الاكتفاء بالقطاعات التقليدية، عبر دعم الصناعة والخدمات الرقمية والصناعات الغذائية والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الاجتماعي والتضامني والصناعات الثقافية والإبداعية.
ويمثل الاستثمار في الرأسمال البشري محوراً أساسياً لتحقيق هذه الأهداف، عبر تطوير التكوين المهني والتعليم والبحث العلمي وربط الكفاءات بحاجيات الاقتصاد الجهوي، خصوصاً في مجالات السياحة والصناعة والفلاحة والتكنولوجيا والطاقات المتجددة والخدمات.
وتبرز البنيات التحتية والنقل كأحد مفاتيح تحسين تنافسية الجهة، سواء من خلال تعزيز الربط بين مراكش ومختلف الأقاليم أو فك العزلة عن المناطق القروية والجبلية، وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق ومراكز الاستهلاك.
وتملك الواجهة الأطلسية للجهة إمكانات مهمة لتطوير الاقتصاد الأزرق، خاصة في آسفي والصويرة، عبر الصيد البحري والصناعات المرتبطة بالبحر والخدمات المينائية والسياحة الساحلية والاستثمار في تثمين الموارد البحرية.
وفي المجال السياحي، يتمثل أحد الرهانات في توسيع الخريطة السياحية خارج مدينة مراكش، من خلال ربطها بمسارات نحو الحوز وشيشاوة والصويرة وآسفي والرحامنة، وتطوير السياحة القروية والجبلية والثقافية والبيئية، بما يساهم في توزيع عائدات القطاع على مجال أوسع.
وتشكل إعادة تأهيل المدن العتيقة والمحافظة على التراث المادي واللامادي جزءاً من هذه الرؤية، بالنظر إلى القيمة الاستثنائية للرصيد التاريخي والثقافي الذي تتوفر عليه مراكش والصويرة وآسفي وعدد من المراكز والمجالات القروية.
ويبقى تحقيق العدالة المجالية من أكبر التحديات التي تواجه الجهة، إذ يتعين أن تنعكس القوة السياحية لمراكش والقاعدة الصناعية لآسفي والمؤهلات الفلاحية والمعدنية لباقي الأقاليم على مستوى التنمية البشرية وجودة الخدمات والبنيات الأساسية وفرص التشغيل.
ومن هذا المنطلق، يقوم التصور التنموي على تعزيز التكامل بين الأقاليم بدل تركيز الأنشطة في قطب واحد؛ فمراكش يمكن أن تعزز موقعها كقطب سياحي وخدماتي دولي، وآسفي كقطب صناعي ومينائي، والصويرة كوجهة سياحية وثقافية وساحلية، والحوز كمجال للسياحة الجبلية والفلاحة.
وفي المقابل، تستطيع الرحامنة وقلعة السراغنة تعزيز موقعهما في الفلاحة والاستثمار والصناعات المرتبطة بها، فيما يمكن لليوسفية تطوير قاعدتها المعدنية والصناعية، ولشيشاوة الاستفادة من موقعها ومؤهلاتها في التنمية القروية والطاقات المتجددة.
ويتيح هذا التكامل بناء سلاسل قيمة جهوية أكثر قوة، وربط المنتجات الفلاحية والصناعة التقليدية بالسياحة والتصدير، وربط الصناعة بالموانئ واللوجستيك، وتحويل الموارد الطبيعية والثقافية إلى مشاريع اقتصادية مستدامة.
كما يمثل تشجيع الاستثمار الخاص عاملاً أساسياً لإنجاح هذا التحول، شريطة مواكبته باستثمارات عمومية في الطرق والماء والنقل والتعليم والتكوين والصحة والمناطق الصناعية والخدمات الأساسية، بما يرفع جاذبية مختلف أقاليم الجهة أمام المستثمرين.
ويظل التحدي خلال السنوات المقبلة هو تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية، وبين جاذبية مراكش السياحية وضرورة توزيع فرص التنمية على باقي الأقاليم، وبين المشاريع الكبرى وحاجيات السكان اليومية.
فالرهان بالنسبة لمراكش–آسفي لم يعد مقتصراً على الحفاظ على مكانة مراكش كعاصمة سياحية عالمية، وإنما يتمثل في بناء جهة متعددة الأقطاب قادرة على تحويل تنوعها الجغرافي والاقتصادي والثقافي إلى قوة تنافسية.
وبالاستثمار في الماء والبنيات التحتية والرأسمال البشري والاقتصاد الأخضر، وتعزيز التكامل بين المجالات الحضرية والقروية والجبلية والساحلية، تستطيع مراكش–آسفي ترسيخ نموذج تنموي يجمع بين الاستثمار وخلق فرص الشغل والاستدامة والعدالة المجالية.