تواجه جهة بني ملال–خنيفرة تحدياً تنموياً يرتبط بخصوصيتها الجغرافية، إذ تجمع داخل مجال واحد بين مراكز حضرية ومناطق فلاحية منتجة ومجالات منجمية، إلى جانب مساحات جبلية وقروية واسعة، ما يجعل تحقيق التوازن بين مختلف أقاليمها في صلب الرهانات المرتبطة بالتنمية الجهوية.
وتعمل الجهة على تنزيل رؤيتها من خلال برنامج التنمية الجهوية 2022–2027، إلى جانب آليات التخطيط وإعداد التراب، بهدف تحويل المؤهلات الاقتصادية والطبيعية إلى مشاريع قادرة على تحسين ظروف عيش السكان وخلق فرص الشغل وتقليص الفوارق بين المجالات.
ويشكل فك العزلة أحد الملفات الأساسية، خصوصاً بالنظر إلى أن أكثر من 65 في المائة من مساحة الجهة ذات طبيعة جبلية، وهو ما يجعل الطرق والنقل والربط بين القرى والمراكز الحضرية والخدمات الصحية والتعليمية والأسواق عناصر حاسمة في تحقيق التنمية.
فالبنية التحتية لا تمثل مجرد وسيلة للتنقل، وإنما تشكل شرطاً أساسياً لجذب الاستثمار وتمكين الفلاحين والمنتجين المحليين من الوصول إلى الأسواق، وتطوير السياحة الجبلية، وتقريب الخدمات الأساسية من السكان.
وتكتسي العدالة المجالية أهمية خاصة داخل الجهة، بالنظر إلى الاختلاف الكبير بين طبيعة الأقاليم الخمسة. فخريبكة تتوفر على قاعدة معدنية وصناعية قوية، وبني ملال والفقيه بن صالح يستفيدان من النشاط الفلاحي والخدمات، بينما تواجه المناطق الجبلية بأزيلال وخنيفرة تحديات أكبر مرتبطة بالتضاريس والولوج إلى الخدمات وفرص التشغيل.
ويتمثل الرهان في تحويل هذا الاختلاف من مصدر للتفاوت إلى عنصر للتكامل، عبر بناء شبكة من الأقطاب الاقتصادية المتخصصة وربطها ببعضها، بحيث تستفيد المناطق الجبلية من السياحة والاقتصاد الغابوي والمنتجات المجالية، والمناطق الفلاحية من الصناعات الغذائية، والمناطق المنجمية من التصنيع والخدمات والمناولة.
ويشكل الماء أحد الملفات الأكثر استراتيجية بالنسبة لمستقبل الجهة، فرغم ما تتوفر عليه بني ملال–خنيفرة من موارد ومنشآت مائية مهمة، فإن التغير المناخي وتوالي سنوات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد يفرضان الانتقال إلى تدبير أكثر استدامة.
ويرتبط ذلك بتحسين مردودية شبكات الري ومياه الشرب، وتشجيع الاقتصاد في الماء، وتطوير تقنيات الري الحديثة، وإعادة استعمال المياه المعالجة، والمحافظة على الأحواض المائية والغابات والغطاء النباتي.
وتكتسي المحافظة على البيئة أهمية مضاعفة بالنظر إلى مكانة الجهة كخزان طبيعي ومائي للمملكة، حيث تمثل الغابات والجبال والبحيرات والأنهار والسدود جزءاً من رأسمالها الاقتصادي وليس فقط من تراثها الطبيعي.
ومن هنا يبرز الاقتصاد الأخضر كأحد المسارات الواعدة، عبر الاستثمار في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية وتدبير النفايات والسياحة المستدامة والزراعة المقاومة للتغير المناخي وتثمين الموارد الطبيعية دون استنزافها.
وفي المجال الاجتماعي، يشكل تحسين الولوج إلى الصحة والتعليم والتكوين المهني أحد الشروط الأساسية لتحقيق تنمية متوازنة، خصوصاً في المناطق القروية والجبلية التي تتطلب حلولاً تراعي البعد الجغرافي وبعد المسافات.
ويأتي تعزيز العرض الصحي ضمن المشاريع الهيكلية التي تراهن عليها الجهة، إلى جانب تطوير التكوين والتعليم وربطهما بالحاجيات الحقيقية لسوق الشغل، بما يسمح بتأهيل الموارد البشرية واستقطاب أنشطة اقتصادية جديدة.
كما يمثل دعم الشباب وريادة الأعمال محوراً أساسياً، إذ تحتاج الجهة إلى جيل جديد من المقاولين القادرين على الاستثمار في المنتجات المحلية والفلاحة والصناعات الغذائية والسياحة البيئية والصناعة التقليدية والخدمات الرقمية والاقتصاد الأخضر.
ويمكن للاقتصاد الاجتماعي والتضامني أن يلعب دوراً مهماً في المناطق القروية، من خلال التعاونيات والمقاولات الاجتماعية التي تساهم في تثمين المنتجات الفلاحية والغابوية والحرفية ورفع دخل الأسر، خصوصاً النساء والشباب.
وتظل السياحة من بين القطاعات التي يمكن أن تساهم بصورة أكبر في تحقيق العدالة المجالية، لأنها تسمح بنقل النشاط الاقتصادي إلى المناطق الجبلية والقروية بعيداً عن المراكز الحضرية الكبرى.
وتطمح الجهة إلى تعزيز موقعها كوجهة للسياحة الخضراء، بالاعتماد على مؤهلات أزيلال وخنيفرة وبني ملال، وتطوير العرض المرتبط بالإيواء والأنشطة الترفيهية والرياضية والمسارات الطبيعية والترويج للمواقع السياحية.
ويتطلب ذلك الاستثمار في الطرق والتشوير والنقل والإيواء والتكوين والتسويق الرقمي وحماية المواقع الطبيعية، حتى تتحول المؤهلات السياحية إلى نشاط اقتصادي منظم ومستدام.
كما تمثل الثقافة والتراث والصناعة التقليدية رافعة إضافية للتنمية، إذ يمكن ربط المنتجات المحلية بالمسارات السياحية والأسواق الوطنية والدولية، وتحويل الهوية الثقافية للجبال وسهل تادلة إلى عنصر من عناصر الجاذبية الاقتصادية.
وفي المجال الصناعي، يتمثل التحدي في رفع مستوى تثمين الموارد داخل الجهة، سواء تعلق الأمر بالإنتاج الفلاحي أو الثروة المعدنية أو الموارد الغابوية، بما يسمح بزيادة القيمة المضافة وخلق فرص عمل أكثر استقراراً.
وتقوم فلسفة التنمية الجهوية على مجموعة من المبادئ المرتبطة بالاستدامة والإنصاف الترابي وخلق فرص الشغل والمقاربة التشاركية والشراكة بين الدولة والجماعات الترابية، بما يجعل التنسيق بين مختلف المتدخلين ضرورياً لإنجاز المشاريع.
وتحتاج الجهة، بالنظر إلى اتساعها وتنوعها، إلى مقاربة متعددة الأقطاب تجعل من بني ملال مركزاً للخدمات والاستثمار، وخريبكة قطباً للصناعة والمناجم، والفقيه بن صالح قطباً فلاحياً وصناعياً غذائياً، وأزيلال وخنيفرة قطبين للسياحة الخضراء والاقتصاد الجبلي.
ويتيح هذا التصور توزيع فرص الاستثمار والتشغيل بشكل أكثر توازناً، والحد من تمركز النشاط الاقتصادي في مناطق محددة، مع تحسين قدرة المجالات القروية والجبلية على الاحتفاظ بساكنتها وخلق مصادر دخل محلية.
وتملك بني ملال–خنيفرة جميع المقومات لتتحول إلى نموذج للتنمية المستدامة في قلب المغرب، بالنظر إلى ثرواتها المائية والفلاحية والغابوية والمعدنية والسياحية، غير أن نجاح هذا التحول يرتبط بالقدرة على التوفيق بين استغلال الموارد والمحافظة عليها.
فالرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة يتمثل في جعل الاستثمار أداة لتحقيق العدالة المجالية، وتحويل المشاريع والبنيات التحتية إلى أثر مباشر على حياة السكان، وخلق اقتصاد جهوي قادر على إنتاج الثروة وفرص الشغل مع حماية الموارد الطبيعية للأجيال المقبلة.
حجم الخط
+
-
3 دقائق للقراءة



