حجم الخط + -
3 دقائق للقراءة

لا تختزل مكانة الدار البيضاء–سطات في قوتها الاقتصادية، إذ تمثل الجهة اليوم أحد أبرز فضاءات تنزيل ورش الجهوية المتقدمة بالمغرب، من خلال الانتقال من منطق التدبير الإداري التقليدي إلى التخطيط الترابي وبرمجة المشاريع والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين جاذبية مختلف العمالات والأقاليم.
ويقوم هذا التوجه على جعل مجلس الجهة فاعلاً أساسياً في تحديد الأولويات التنموية، عبر إعداد وتنفيذ برنامج التنمية الجهوية والتخطيط لإعداد التراب والمساهمة في إنجاز المشاريع الكبرى، إلى جانب العمل مع الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والقطاع الخاص على تطوير البنيات والخدمات.
وتشمل مجالات تدخل الجهة التنمية الاقتصادية ودعم التشغيل وريادة الأعمال والتنمية القروية والنقل والتنقل والماء والبيئة والثقافة والتراث والتعليم والصحة والرياضة والتكوين، إضافة إلى التعاون الدولي وتعزيز جاذبية المجال الترابي.
وتبرز أهمية هذه المقاربة بالنظر إلى التفاوت الكبير في طبيعة المجالات المكونة للجهة. فالدار البيضاء تواجه تحديات مدينة كبرى مرتبطة بالنقل والكثافة السكانية والسكن والخدمات والبيئة، بينما تختلف الأولويات في المجالات الفلاحية لسطات وسيدي بنور وبرشيد، وفي المناطق الصناعية للجديدة والنواصر والمحمدية، وفي المجالات الصاعدة ببنسليمان ومديونة.
ومن هنا يشكل تحقيق العدالة المجالية أحد أهم رهانات التنمية، من خلال العمل على توزيع الاستثمارات والبنيات الأساسية وعدم حصر المشاريع الكبرى في العاصمة الاقتصادية، وتشجيع ظهور أقطاب جديدة قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين الخدمات بالقرب من السكان.
وفي الجانب الاقتصادي، تتجه الجهة إلى تعزيز المناطق الصناعية ومناطق الأنشطة الاقتصادية والمنصات اللوجستيكية، مع العمل على توفير فضاءات جديدة لاستقبال المقاولات وتشجيع الاستثمار في مختلف الأقاليم. وتشمل هذه الدينامية مشاريع مرتبطة بمناطق الأنشطة الاقتصادية للقرب والمناطق الصناعية والمنصات اللوجستيكية والمشاريع المندمجة.
ويمثل محور الدار البيضاء–النواصر–برشيد أحد المجالات المرشحة لمزيد من التطور الصناعي واللوجستي، مستفيداً من مطار محمد الخامس وشبكة الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية، فيما يشكل محور المحمدية–الدار البيضاء امتداداً حضرياً وصناعياً وخدماتياً مهماً.
أما محور الجديدة–الجرف الأصفر، فيحمل بعداً استراتيجياً للصناعة والطاقة واللوجستيك، إلى جانب الإمكانات السياحية للساحل الأطلسي، بينما تشكل سطات وبرشيد وسيدي بنور قاعدة مهمة للفلاحة والصناعات الغذائية والأنشطة المرتبطة بتثمين الإنتاج الفلاحي.
ويكتسي النقل والتنقل أهمية خاصة ضمن التحولات التي تعرفها الجهة، بسبب الحجم الكبير للتنقلات اليومية بين الدار البيضاء وضواحيها وبين مختلف المراكز الحضرية. لذلك يرتبط تحسين جاذبية الجهة بقدرتها على تطوير النقل الجماعي وتقوية الربط بين المدن والمناطق الصناعية ومراكز التشغيل.
كما أصبحت قضية الماء في صلب الرهانات التنموية، في ظل التغيرات المناخية والضغط المتزايد على الموارد المائية نتيجة النمو الديمغرافي والصناعي والفلاحي. ويطرح ذلك ضرورة تطوير حلول مستدامة تشمل ترشيد الاستهلاك وإعادة استعمال المياه المعالجة واللجوء إلى الموارد غير التقليدية وتحسين مردودية الشبكات.
ويشكل الانتقال البيئي بدوره فرصة اقتصادية جديدة، إذ تستطيع الجهة استقطاب استثمارات مرتبطة بالطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية وإعادة التدوير وتثمين النفايات والصناعة منخفضة الكربون والتنقل المستدام، بما يسمح بالجمع بين التنمية الاقتصادية والالتزامات البيئية.
وتحتفظ التنمية القروية بأهمية كبيرة بالنظر إلى الامتداد الفلاحي الواسع للجهة. ويظل تحسين الطرق والخدمات الأساسية والتجهيزات ودعم سلاسل الإنتاج وتشجيع الاستثمار في تثمين المنتجات الفلاحية من بين الأدوات القادرة على خلق قيمة مضافة أكبر داخل العالم القروي.
كما تشكل الثقافة والتراث والسياحة عناصر إضافية لتنويع الاقتصاد الجهوي، انطلاقاً من الموروث الحضري للدار البيضاء والمحمدية، والمؤهلات الساحلية للجديدة والوليدية، والإمكانات الطبيعية لبنسليمان، وصولاً إلى التراث الثقافي والفلاحي للشاوية ودكالة.
وتسعى الجهة كذلك إلى تعزيز مكانة الشباب في الدورة الاقتصادية عبر برامج التشغيل وريادة الأعمال ودعم المبادرات، في وقت تفرض فيه التحولات الاقتصادية ضرورة ملاءمة التكوين مع حاجيات القطاعات الصناعية والتكنولوجية والخدماتية الجديدة.
وتتطلب هذه المشاريع تنسيقاً مؤسساتياً بين مجلس الجهة والسلطات الترابية والجماعات والمؤسسات العمومية والمركز الجهوي للاستثمار والقطاع الخاص، حتى تتحول البرامج والاستراتيجيات إلى مشاريع ذات أثر ملموس على الاقتصاد والسكان.
وتبرز في هذا الإطار أهمية الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع باعتبارها إحدى الآليات المخصصة للمساعدة في إعداد وتنفيذ وتتبع البرامج التنموية، بما يسمح بتعزيز الهندسة التقنية والمالية للمشاريع وتسريع وتيرة الإنجاز.
ويكمل المركز الجهوي للاستثمار هذه المنظومة من خلال مواكبة القطاع الخاص والمستثمرين، بما يخلق تكاملاً بين الاستثمار العمومي الموجه إلى البنيات الأساسية والتنمية الترابية والاستثمار الخاص المولد للثروة وفرص الشغل.
ويتمثل التحدي الأساسي خلال المرحلة المقبلة في تحويل الثقل الاقتصادي الهائل للدار البيضاء–سطات إلى تنمية أكثر توازناً، بحيث تستفيد جميع أقاليم الجهة من دينامية الاستثمار، وتتحسن جودة الحياة والخدمات، وتتراجع الفوارق بين المركز والمحيط وبين المجالات الحضرية والقروية.
فالرهان لم يعد فقط الحفاظ على موقع الدار البيضاء كعاصمة اقتصادية للمملكة، وإنما بناء جهة متعددة الأقطاب تستطيع فيها الجديدة وسطات وبرشيد والنواصر والمحمدية وبنسليمان وسيدي بنور ومديونة تطوير وظائف اقتصادية متخصصة ومتكاملة.
ومن شأن نجاح هذا النموذج أن يجعل الدار البيضاء–سطات مرجعاً وطنياً في الجهوية المتقدمة، عبر الجمع بين قوة الاستثمار الخاص وفعالية الاستثمار العمومي، وبين التنافسية الاقتصادية والعدالة المجالية، وبين خلق الثروة وتحسين ظروف عيش السكان.
وتملك الجهة بالفعل العديد من المقومات لتحقيق هذا الطموح، من قاعدة صناعية ومالية قوية إلى بنية لوجستيكية مهمة ورأسمال بشري واسع ومجالات فلاحية وساحلية متنوعة. ويبقى الرهان في السنوات المقبلة هو تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع مترابطة تجعل من الدار البيضاء–سطات ليس فقط قاطرة للاقتصاد الوطني، بل نموذجاً لجهة متكاملة وقادرة على إنتاج تنمية مستدامة ومتوازنة.