لا تكتمل دلالة عيد الوحدة، الذي يخلد المغرب ذكراه الأولى اليوم 31 أكتوبر، بمجرد استحضار وحدة التراب الوطني والمكاسب التي تحققت في ملف الصحراء المغربية، بل تتسع لتطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة هذه الوحدة على التحول إلى تنمية شاملة، وعدالة مجالية، وفرص متكافئة لفائدة المواطنين في مختلف جهات المملكة، من طنجة إلى الكويرة.
وتكتسب هذه الذكرى دلالتها في ظل المستجدات التي عرفتها القضية الوطنية، خاصة بعد البلاغ الصادر عن الديوان الملكي أمس الجمعة 30 أكتوبر ، بشأن عدم تمديد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ولاية بعثة المينورسو، وهو التطور الذي اعتبره الديوان الملكي خطوة مهمة في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة، ومؤشراً على الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى مقاربة تستهدف تغيير محدداته.
وأوضح البلاغ، الذي أوردته وكالة المغرب العربي للأنباء، أن وجود البعثة الأممية في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أطقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، معتبراً أن ذلك يفتح صفحة جديدة بعد 35 سنة من حضورها.
كما دعا إلى وضع حد لإحالة ملف الصحراء المغربية على مجلس الأمن، وإنهاء الاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات الأممية المخصصة له، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار تمسك المغرب بوقف إطلاق النار وصيانة أمنه الوطني ووحدته الترابية.
ويأتي هذا التطور في سياق تخليد عيد الوحدة، الذي أقره جلالة الملك محمد السادس عقب التطورات التي عرفتها القضية الوطنية، بموجب بلاغ الديوان الملكي الصادر في 4 نونبر 2025، ليصبح يوم 31 أكتوبر من كل سنة موعداً وطنياً لاستحضار وحدة المملكة وثوابتها وحقوقها المشروعة، وتجديد الارتباط بمسارها التاريخي وتضحيات أجيال من المغاربة.
وترتبط هذه المناسبة بشكل وثيق بالقرار الأممي رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي للنزاع حول الصحراء المغربية.
كما تتزامن مع الخطاب الملكي السامي الذي وجهه الملك محمد السادس إلى الشعب المغربي يوم 31 أكتوبر 2025، مستحضراً خمسين سنة من التضحيات والعمل المتواصل من أجل ترسيخ مغربية الصحراء، ومؤكداً أن المرحلة الجديدة تفتح أفقاً لمغرب موحد من طنجة إلى الكويرة.
ولم يقتصر الخطاب الملكي السامي في ذلك التاريخ على استحضار المكتسبات السياسية والدبلوماسية، بل ربطها بآفاق المستقبل التنموي للأقاليم الجنوبية، التي لم تعد تُطرح باعتبارها مجالاً جغرافياً مرتبطاً بالنزاع فقط، وإنما باعتبارها فضاءً استراتيجياً قادراً على التحول إلى قطب للتنمية والاستثمار والاستقرار، ومحور اقتصادي في محيطه الإقليمي، وخاصة بمنطقة الساحل والصحراء.
كما توقف الخطاب الملكي السامي عند تنامي الاعتراف بالسيادة الاقتصادية للمملكة على أقاليمها الجنوبية، من خلال مواقف وقرارات اتخذتها قوى اقتصادية كبرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا وإسبانيا والاتحاد الأوروبي، بما يشجع الاستثمارات والتبادل التجاري مع هذه الأقاليم، ويفتح أمامها آفاقاً أوسع للاندماج في المبادلات الاقتصادية الإقليمية والقارية.
وفي هذا السياق، أكد بلاغ الديوان الملكي الأخير أن الدينامية الدولية التي أطلقها الملك محمد السادس ستتواصل على المستويين الثنائي والإقليمي، مشيراً إلى أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحظى بدعم أكثر من ثلثي أعضاء منظمة الأمم المتحدة، من بينهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن وقوى دولية مؤثرة. وهو ما يبرز أهمية مواصلة العمل الدبلوماسي لتثبيت المكتسبات وتوسيع مجالات التعاون والشراكة.
غير أن أحد أبرز أبعاد عيد الوحدة يتمثل في توسيع النقاش من تثبيت الوحدة الترابية إلى كيفية تحويلها إلى رافعة للتنمية الشاملة. فالوحدة لا تعني فقط تماسك المجال الجغرافي، بل تقتضي أيضاً تقليص الفوارق بين الجهات، وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية، وتوسيع فرص الشغل والاستثمار، حتى يشعر المواطن بأن الانتماء إلى وطن موحد ينعكس على حياته اليومية وحقوقه الاجتماعية والاقتصادية.
وهنا تبرز أهمية العدالة المجالية باعتبارها أحد المداخل الأساسية لترسيخ التضامن الوطني. فالتفاوت في البنيات التحتية والخدمات والفرص الاقتصادية بين المجالات الحضرية والقروية، وبين الجهات والمناطق الجبلية والواحات والمناطق النائية، يظل من التحديات التي تستدعي سياسات عمومية متواصلة، تضمن توزيعاً أكثر توازناً للاستثمار العمومي، وتربط التنمية بالحاجيات الفعلية للسكان.
إن الاحتفاء بوحدة المملكة المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، يكتسب عمقاً أكبر حين يقترن بالعمل على ألا تظل فرص التنمية متفاوتة بحسب المجال الجغرافي. فالمواطن في القرى والمناطق الجبلية والواحات والمراكز البعيدة عن الأقطاب الاقتصادية، من حقه أن يستفيد من الخدمات العمومية نفسها، وأن تتوفر له شروط التعليم الجيد والعلاج وفرص الشغل والتنقل، بما يضمن كرامته ويعزز شعوره بالانتماء والمواطنة المتكافئة.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل مستقبل الأقاليم الجنوبية عن الرؤية التنموية الوطنية الشاملة. فالمشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية والاستثمارات التي تستهدف هذه الأقاليم تندرج ضمن تصور يجعلها فضاءً للتنمية والانفتاح على العمق الإفريقي، وفي الوقت نفسه يضع أمام باقي جهات المملكة مسؤولية تعزيز التكامل الاقتصادي وتبادل الفرص والخبرات. فالمغرب الموحد لا يقوم على تنمية منطقة بمعزل عن أخرى، بل على ترابط المجالات وتكامل إمكاناتها.
أما الخطاب الملكي ليوم 31 أكتوبر 2025، فقد حمل أيضاً بعداً إنسانياً واضحاً، من خلال دعوة المغاربة الموجودين في مخيمات تندوف إلى اغتنام الفرصة التاريخية والعودة إلى وطنهم، والمساهمة في تدبير شؤونهم المحلية وبناء مستقبلهم في إطار المغرب الموحد، مع تأكيد المساواة بينهم وبين إخوانهم داخل المملكة في الحقوق والحريات.
كما دعا الملك محمد السادس إلى حوار أخوي صادق مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، وإلى تجاوز الخلافات وبناء علاقات قائمة على الثقة وحسن الجوار، مجدداً التزام المغرب بإحياء الاتحاد المغاربي على أساس التعاون والتكامل بين دوله الخمس.
ومن جهة أخرى، فإن تخليد هذه المناسبة يستحضر تضحيات أجيال من المغاربة في سبيل الوحدة الترابية، وفي مقدمتهم القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والقوات المساعدة ومختلف مكونات الأجهزة الأمنية وأسرهم، الذين خصهم الملك بتحية تقدير واعتراف بما قدموه على مدى خمسين سنة من جهود في الدفاع عن الوحدة الوطنية وصيانة أمن البلاد واستقرارها.
كما استحضر الخطاب الملكي السامي جهود الدبلوماسية الرسمية والحزبية والبرلمانية والمؤسسات الوطنية، وترحم على روح الملك الراحل الحسن الثاني، مبدع المسيرة الخضراء، وعلى أرواح جميع شهداء الوطن.
إن الذكرى الأولى لعيد الوحدة تتيح، بذلك، فرصة لتجديد النقاش حول معنى الانتماء إلى وطن واحد، وحول مسؤولية المؤسسات والفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين في جعل الوحدة الترابية رافعة للتنمية المشتركة.
فالمغرب من طنجة إلى الكويرة ليس مجرد امتداد جغرافي، بل مجال وطني تتقاطع فيه الحقوق والواجبات والآمال والتطلعات، وتظل قوة وحدته مرتبطة بقدرته على ضمان الكرامة وتكافؤ الفرص وتحقيق تنمية لا تترك مجالاً أو فئة خارج مسار التقدم.
ومن ثم، فإن الذكرى الأولى لعيد الوحدة لا ينبغي أن تختزل في استحضار رمزية المناسبة أو استعادة محطات المسار السياسي والدبلوماسي، بقدر ما تتيح فرصة للتأمل في ما تفرضه وحدة التراب من مسؤوليات تنموية.
فترسيخ الوحدة الترابية يظل مرتبطاً بقدرة السياسات العمومية على تحويل هذا المكسب إلى تنمية ملموسة، تضمن العدالة المجالية، وتقلص الفوارق بين الجهات، وتوسع فرص الاستثمار والتشغيل، وتحسن الولوج إلى التعليم والصحة وباقي الخدمات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، لا يقاس عمق عيد الوحدة فقط بما يحمله من دلالات وطنية، وإنما أيضاً بما يفتحه من أفق أمام جميع المغاربة للاستفادة من ثمار التنمية، من طنجة إلى الكويرة.



