حجم الخط + -
4 دقائق للقراءة

مع اقتراب افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان، تدخل مسألة رئاسة مجلس النواب دائرة الاهتمام السياسي، بالتوازي مع المشاورات الجارية بشأن تشكيل الأغلبية الحكومية. وإذا كانت نتائج انتخابات 23 شتنبر 2026 قد أعطت حزب الأصالة والمعاصرة صدارة مجلس النواب بـ97 مقعداً، فإن هذه الصدارة لا تعني، من الناحية الدستورية، حسم رئاسة الغرفة الأولى، التي يتم انتخاب رئيسها من طرف أعضاء المجلس.

وتكتسب المنافسة الحالية طابعاً خاصاً لأن رئاسة مجلس النواب توجد عند تقاطع مستويين: الأول يتعلق بالتوازنات التي أفرزتها الانتخابات، والثاني يتعلق بالتوافقات التي ستتشكل حول الأغلبية الحكومية والبرلمانية. ومن هنا، فإن النقاش لا ينحصر في اسم الشخصية التي ستخلف راشيد الطالبي العلمي، بل يمتد إلى طبيعة الترتيب السياسي والمؤسساتي الذي ستستقر عليه الأغلبية الجديدة.

داخل حزب الأصالة والمعاصرة، برزت خمسة أسماء في التداول الإعلامي لرئاسة مجلس النواب، هي عز الدين الميداوي، وعبد اللطيف وهبي، ومحمد الصباري، وأحمد التويزي، والمهدي بنسعيد. ولم يعلن الحزب، وفق المعطيات المنشورة إلى حدود الآن، عن ترشيح رسمي نهائي يحسم الاختيار بين هذه الأسماء، ولذلك فإن تقديمها باعتبارها «مرشحين» ينبغي أن يظل في إطار التداول الداخلي والإعلامي، لا في إطار قرار حزبي معلن.

ويملك كل واحد من هذه الأسماء تجربة مختلفة يمكن أن تفسر حضوره في النقاش.

عز الدين الميداوي يجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة في تدبير المؤسسات الجامعية والعمل الحكومي والبرلماني. فقد ترأس جامعة ابن طفيل بالقنيطرة قبل توليه حقيبة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، كما فاز بمقعد برلماني في انتخابات 2026. ويمنحه هذا المسار تجربة في الإدارة العمومية وفي تدبير قطاع حكومي، إلى جانب حضوره السياسي داخل حزب الأصالة والمعاصرة.

عبد اللطيف وهبي يأتي بمسار يجمع بين المحاماة والعمل الحقوقي والبرلماني والحزبي والحكومي. فقد تولى الأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة بين 2020 و2024، ويشغل حقيبة العدل منذ 2021، كما سبق له أن ترأس فريق الحزب بمجلس النواب ولجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان. وعاد إلى المؤسسة التشريعية بعد فوزه في انتخابات 2026 عن دائرة تارودانت الشمالية.

أما محمد الصباري، فتبرز في مساره خبرة مباشرة داخل أجهزة مجلس النواب، إذ تولى خلال الولاية السابقة منصب النائب الأول لرئيس المجلس، فضلاً عن تجربته المهنية في المحاماة والعمل البرلماني. ويشكل هذا المسار تحديداً أحد المعطيات المرتبطة باسمه في سياق النقاش حول رئاسة الغرفة الأولى.

ويحمل أحمد التويزي بدوره تجربة برلمانية وحزبية، إذ تولى رئاسة فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب خلال الولاية السابقة، وكان حاضراً في تدبير العمل البرلماني للفريق، إلى جانب تجربته في التسيير المحلي. وقد عاد إلى مجلس النواب بعد فوزه عن دائرة الحوز في انتخابات 2026.

أما محمد المهدي بنسعيد، فيجمع بين تجربة برلمانية بدأت منذ 2011، ومسؤوليات داخل مجلس النواب، من بينها رئاسة لجنة الشؤون الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية والمغاربة المقيمين بالخارج، وبين تجربة حكومية منذ تعيينه وزيراً للشباب والثقافة والتواصل سنة 2021. كما يشغل منذ 2024 عضوية القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، وفاز مجدداً بمقعد عن دائرة الرباط المحيط في انتخابات 2026.

وهذه الخلفيات الخمس لا تعني بالضرورة أن المنافسة داخل «البام» قد وصلت إلى مرحلة الاختيار النهائي، لكنها تكشف أن الحزب يتوفر على أكثر من مسار يمكن أن يدخل في الحسابات المتعلقة بقيادة الغرفة الأولى، سواء من زاوية التجربة الحكومية، أو العمل البرلماني، أو المسؤولية الحزبية، أو تدبير المؤسسات.

في المقابل، لا يمكن فصل هذا النقاش عن باقي الأحزاب التي ستشارك في تشكيل الأغلبية. فقد أشارت تقارير صحفية إلى أن حزب الاستقلال يضع بدوره رئاسة مجلس النواب ضمن مطالبه التفاوضية، مع تداول اسمي الأمين العام نزار بركة وعبد الصمد قيوح، من دون إعلان رسمي عن مرشح نهائي.

ويحمل الاستقلال في هذه المعادلة 65 مقعداً في مجلس النواب، كما يرأس حالياً مجلس المستشارين عبر محمد ولد الرشيد. ومن هنا برزت في النقاش السياسي فرضية مختلفة تقوم على إمكان توزيع مواقع المسؤولية بين الغرفتين، بحيث لا تكون المنافسة على رئاسة مجلس النواب بالضرورة منفصلة عن موقع الاستقلال في مجلس المستشارين.

لكن هذه الفرضية ينبغي التعامل معها باعتبارها سيناريو سياسياً قابلاً للنقاش، وليس اتفاقاً معلناً. فاستمرار رئيس مجلس المستشارين الحالي أو أي ترتيب آخر للغرفة الثانية يظل رهيناً بالتوازنات والمساطر الخاصة بالمجلس، ولا توجد، في المعطيات المتاحة، وثيقة معلنة تربط رسمياً بين رئاسة الغرفتين ضمن صفقة واحدة.

وتبرز في السياق نفسه الحركة الشعبية، التي حصلت على 29 مقعداً في مجلس النواب. ويظل محمد أوزين، الأمين العام للحزب، أحد الفاعلين في المشاورات السياسية، غير أن المعطيات بشأن طرح اسمه لرئاسة مجلس النواب متباينة، وهو ما يفرض عدم تقديمه باعتباره مرشحاً رسمياً. وقد أكدت معطيات سابقة أن الحزب لم يحسم تموقعه إلا عبر مؤسساته المختصة، وأن أوزين أكد أن الحزب سيواصل الترافع عن التزاماته من أي موقع سياسي سيكون فيه.

وفي المقابل، فإن حضور الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية في المشاورات يضيف بعداً آخر إلى المعادلة، خصوصاً أن أي أغلبية جديدة لن تحتاج فقط إلى توزيع المناصب الحكومية، وإنما إلى بناء أرضية برلمانية قادرة على ضمان الانسجام في التصويت والعمل التشريعي.

لهذا تبدو رئاسة مجلس النواب أقرب إلى جزء من هندسة أوسع للأغلبية منها إلى منافسة منفصلة على منصب واحد. فحزب الأصالة والمعاصرة، باعتباره صاحب أكبر عدد من المقاعد في المجلس، يدخل النقاش من موقع انتخابي واضح، بينما يدخل الاستقلال والحركة الشعبية وباقي الأحزاب التفاوض من خلال حجم تمثيلي ومطالب سياسية ومؤسساتية مختلفة.

وتزداد أهمية هذه الحسابات لأن رئيس مجلس النواب لا يكتفي بتسيير الجلسات، بل يرأس أجهزة أساسية في المؤسسة، ويساهم في تنظيم العمل التشريعي والعلاقة المؤسساتية مع الحكومة، كما يضطلع المجلس تحت رئاسته بدور في الدبلوماسية البرلمانية. وبعد انتخاب الرئيس، يصبح هذا الأخير رئيساً للمؤسسة بمختلف مكوناتها، بما فيها المعارضة، وليس ممثلاً للفريق الذي ينتمي إليه فقط.

ومن ثم، فإن فرضية توزيع رئاسة الغرفتين يمكن أن تفسر جزءاً من المشهد، لكنها ليست النتيجة الوحيدة الممكنة. فقد ينتهي التفاوض إلى إسناد رئاسة مجلس النواب إلى «البام»، مع الحفاظ على موقع مؤسساتي وازن للاستقلال في مجلس المستشارين، وقد تظهر صيغة أخرى تبعاً لتركيبة الأغلبية النهائية وموازين التفاوض بين الأحزاب.

وفي جميع الحالات، يبقى الحسم النهائي مرتبطاً بمسارين متكاملين: التوافق السياسي بين مكونات الأغلبية من جهة، والانتخاب داخل مجلس النواب من جهة ثانية. ولذلك فإن تعدد الأسماء داخل «البام» لا يعني أن القرار اتخذ، كما أن تداول أسماء من أحزاب أخرى لا يعني بالضرورة وجود مواجهة مفتوحة أو ترشيحات رسمية.

وعشية افتتاح الدورة الخريفية، يبدو أن السؤال الأكثر دقة ليس فقط: من سيخلف راشيد الطالبي العلمي؟ وإنما أيضاً: أي صيغة سياسية ستنتجها المفاوضات لتدبير رئاسة مجلس النواب، وباقي مواقع المسؤولية داخل البرلمان؟

فالأسماء الخمسة المتداولة داخل «البام» تعكس تعدد الخيارات داخل الحزب، فيما تكشف مطالب الاستقلال وحضور الحركة الشعبية ومشاركة باقي الأحزاب في المشاورات أن رئاسة الغرفة الأولى جزء من مشهد تفاوضي أوسع. أما الحديث عن توزيع رئاسة الغرفتين، فيظل أحد السيناريوهات التي تفسر طبيعة التوازنات المطروحة، إلى أن تتحول التوافقات السياسية إلى قرارات معلنة وانتخابات داخل المؤسسة التشريعية.