حرائق الجزائر.. النيران تتراجع وأسئلة ثقيلة تخرج من تحت الرماد
تتنفس مناطق جزائرية منكوبة قليلا بعد أيام عصيبة من المواجهة مع حرائق واسعة حولت مساحات غابوية إلى رماد ودفعت بآلاف السكان إلى متابعة سباق صعب بين فرق الإنقاذ وألسنة اللهب، فيما بدأت الكارثة تنتقل من مرحلة الإطفاء إلى مرحلة البحث عن الأسباب وحصر الخسائر.
وأعلنت الحماية المدنية الجزائرية نجاح فرقها في إخماد غالبية الحرائق المسجلة خلال الساعات الأخيرة، بعدما تمت تعبئة إمكانات بشرية ومادية مهمة وتعزيز التدخلات البرية بوسائل جوية لمواجهة النيران، خصوصا بالمناطق التي سجلت بؤرا يصعب الوصول إليها.
وتصدرت ولاية جيجل واجهة الأحداث بعدما تعرضت مناطق منها لحرائق عنيفة، وسط تعبئة واسعة لعناصر الحماية المدنية ومختلف المصالح المعنية، بينما ساهمت الرياح القوية في تسريع انتشار النيران وتعقيد عمليات السيطرة عليها.
ولم تمر الكارثة دون خسائر بشرية، إذ خلفت الحرائق الأخيرة وفيات وإصابات، إلى جانب أضرار مادية وبيئية، بينما وجدت عائلات نفسها أمام مشاهد قاسية بعدما اقتربت النيران من مناطق مأهولة وفرضت عمليات إجلاء احترازية في عدد من المواقع.
وفي موازاة معركة الإطفاء، بدأت الأسئلة تتحول نحو أسباب اندلاع هذه الحرائق وتزامنها في أكثر من منطقة، خصوصا بعدما تحدث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن احتمال وجود فعل إجرامي وراء بعض الحرائق، وهي فرضية تظل مرتبطة بنتائج التحقيقات الجارية ولا يمكن اعتبارها حقيقة ثابتة قبل انتهاء الأبحاث وكشف المسؤوليات.
وبين فرضية العامل البشري والظروف المناخية الصعبة والرياح التي ساعدت على انتشار اللهب، ينتظر الرأي العام الجزائري نتائج التحقيقات لمعرفة ما إذا كانت البلاد أمام حرائق طبيعية تفاقمت بفعل الطقس أم أمام أفعال متعمدة في بعض المواقع.
وفي قلب المأساة، برزت موجة تضامن واسعة مع الأسر المتضررة، وتحركت هيئات مدنية وإنسانية لتقديم المساعدات ودعم السكان بالمناطق المنكوبة، في وقت بدأت فيه الأنظار تتجه إلى حجم الأضرار التي لحقت بالغطاء الغابوي والممتلكات ومصادر عيش السكان.
انحسار النيران لا يعني نهاية الأزمة، لأن ما تركته الحرائق يفتح من جديد ملف الوقاية من الكوارث الطبيعية، ومراقبة الغابات، وسرعة اكتشاف البؤر الأولى، وفعالية التدخل الجوي والبري قبل تحول حريق محدود إلى كارثة تتجاوز إمكانات المواجهة المحلية.
الجزائر اليوم أمام مرحلة ما بعد اللهب، وهي ربما الأصعب؛ إعادة تأهيل المناطق المتضررة، ومساعدة الأسر المنكوبة، وتقييم الخسائر البيئية، والأهم تقديم إجابات واضحة للرأي العام حول الأسباب الحقيقية للحرائق. وبينما تنطفئ آخر البؤر، تبقى أسئلة كثيرة مشتعلة تحت الرماد.



