دخل سوق الصرف المغربي مرحلة لافتة خلال الأسابيع الأخيرة، مع اقتراب سعر الدولار من مستوى 10 دراهم، في وقت سجلت فيه المبادلات التجارية الخارجية ارتفاعاً أكبر في الواردات مقارنة بالصادرات، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026.
وبحسب أسعار الصرف المرجعية الصادرة عن بنك المغرب، بلغ سعر الدولار في 6 أكتوبر الجاري نحو 9.9694 دراهم، مقابل 9.3241 دراهم في 31 يوليوز الماضي، وهو ما يعكس تراجعاً في قيمة الدرهم أمام العملة الأمريكية بنحو 6.5 في المائة خلال هذه الفترة.
ويكشف تطور الأسعار المرجعية عن تسارع هذا المسار خلال النصف الثاني من شتنبر وبداية أكتوبر، إذ انتقل الدولار من 9.4741 دراهم في 15 شتنبر إلى 9.9779 دراهم في 5 أكتوبر، قبل أن يتراجع بشكل طفيف في اليوم الموالي إلى 9.9694 دراهم.
ولم يقتصر تغير سعر الصرف على الدولار، إذ ارتفع سعر اليورو كذلك من 10.7377 دراهم في نهاية يوليوز إلى 11.2167 درهماً في 6 أكتوبر، بما يؤشر بدوره على انخفاض قيمة العملة الوطنية أمام العملة الأوروبية.
ويتزامن هذا التطور مع ارتفاع قوي في قيمة الواردات المغربية، التي بلغت عند متم غشت نحو 617.508 مليار درهم، مسجلة زيادة بنسبة 15.8 في المائة على أساس سنوي. وفي المقابل، ارتفعت الصادرات بنسبة أقل، بلغت 8.7 في المائة، لتصل إلى 334.892 مليار درهم.
وأفرز هذا التفاوت اتساعاً في العجز التجاري بنسبة 25.4 في المائة، وفق معطيات مكتب الصرف، فيما تراجع معدل تغطية الواردات بالصادرات بـ3.5 نقاط ليستقر عند 54.2 في المائة.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة في ظل اعتماد جزء من الواردات المغربية على الدولار، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالطاقة والمواد الأولية والتجهيزات وبعض السلع الوسيطة. وبالتالي، فإن ارتفاع قيمة الدولار مقابل الدرهم يمكن أن يزيد كلفة هذه المشتريات بالعملة الوطنية، بحسب طبيعة المنتجات ونسبة المكونات المستوردة فيها.
غير أن حركة الدرهم لا ترتبط حصراً بوضعية التجارة الخارجية. فالمغرب يعتمد نظام صرف يقوم على نطاق للتذبذب حول سعر مركزي يُحتسب على أساس سلة من العملات، يمثل اليورو 60 في المائة منها والدولار 40 في المائة. كما تتداخل في تحديد سعر الصرف عوامل أخرى، من بينها تحركات الدولار في الأسواق العالمية، وتدفقات العملات الأجنبية، وأسعار الطاقة والمواد الأولية، فضلاً عن تطورات المبادلات الخارجية.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن اعتبار اقتراب الدولار من عتبة 10 دراهم مؤشراً تلقائياً على دخول الدرهم في أزمة نقدية، وإنما يمثل تطوراً في سوق الصرف تتحدد آثاره بحسب مدى استمراره والعوامل التي تقف وراءه.
وفي الجانب الآخر، يمكن لانخفاض قيمة الدرهم أن يوفر هامشاً من التنافسية لبعض القطاعات الموجهة إلى الأسواق الخارجية، إذ تصبح المنتجات والخدمات المغربية أقل كلفة نسبياً بالنسبة للمشترين الأجانب. كما يمكن أن تستفيد مداخيل السياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج عند تحويل العملات الأجنبية إلى الدرهم.
ويبقى الأثر النهائي لتحرك سعر الصرف مرتبطاً بمسار الدولار في الأسواق الدولية، وبأسعار الطاقة والمواد الأولية، فضلاً عن تطور حاجيات الاقتصاد الوطني من العملات الأجنبية. كما أن استمرار ارتفاع الواردات بوتيرة تفوق الصادرات يظل عاملاً مهماً في قراءة الضغوط المرتبطة بالمبادلات الخارجية.
وهكذا، فإن اقتراب الدولار من 10 دراهم يبرز حساسية الاقتصاد المغربي تجاه تطورات سوق الصرف، لكنه يحتاج إلى قراءة متكاملة تجمع بين حركة العملات، ووضعية التجارة الخارجية، وتدفقات النقد الأجنبي، بدل اختزاله في مؤشر منفرد على وضعية الدرهم.



