حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

أفرزت انتخابات 23 شتنبر 2026 تحولاً مهماً في موقع حزب الأصالة والمعاصرة داخل المشهد البرلماني، بعدما تصدر النتائج بـ97 مقعداً. لكن الصدارة الانتخابية تفتح، في الوقت نفسه، نقاشاً يتجاوز تشكيل الأغلبية إلى طبيعة البرنامج الذي يمكن أن يؤطر عمل الحكومة المقبلة، ومدى قدرته على الاستجابة للانتظارات التي تشكلت لدى الناخبين في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والخدمات العمومية.

فـ«البام» دخل الانتخابات ببرنامج لم يقدمه باعتباره مجرد مجموعة من الوعود الانتخابية، وإنما صاغه في خمسة مواثيق تشكل، بحسب وثيقته الرسمية، أولويات المرحلة: القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان الاستراتيجي، ثم النمو والاستدامة. كما تضمن البرنامج 20 التزاماً، مع أهداف محددة في التشغيل والنمو والاستثمار والسياسات الاجتماعية.

وتكتسب هذه الأولويات أهمية خاصة في مرحلة ما بعد الانتخابات، لأن انتقال الحزب من موقع المنافسة الانتخابية إلى موقع الحزب المتصدر يضع برنامجه أمام اختبار مختلف. ففي الحملة الانتخابية يمكن للأحزاب تقديم تصوراتها ومقترحاتها، أما في مرحلة تشكيل الحكومة فتتحول هذه التصورات إلى موضوع للتفاوض بين مكونات الأغلبية، قبل أن تجد طريقها إلى البرنامج الحكومي والميزانية والسياسات العمومية.

ومن هنا، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمدى إمكانية إدماج برنامج «البام» في البرنامج الحكومي المقبل، وإنما أيضاً بما إذا كانت مكونات الأغلبية المرتقبة ستتقاطع معه في أولوياته الأساسية. فالقدرة الشرائية، والشغل، وإدماج الشباب، وتحسين الخدمات، وتحقيق النمو، كلها ملفات تتطلب قرارات عمومية وتمويلاً وآجالاً للتنفيذ، وليس فقط توافقاً سياسياً عاماً.

وتزداد أهمية هذا النقاش بالنظر إلى أن «البام» لا يتوفر على أغلبية منفردة، إذ إن 97 مقعداً لا تصل إلى الأغلبية المطلقة البالغة 198 مقعداً في مجلس النواب. وبالتالي، فإن أي حكومة مقبلة ستقوم بالضرورة على ائتلاف حزبي، ما يعني أن البرنامج الحكومي سيكون في جانب منه ثمرة تفاوض بين مكونات الأغلبية، وليس نسخة مطابقة للبرنامج الانتخابي لحزب واحد.

وهنا تحديداً يمكن أن يتحول البرنامج الانتخابي لـ«البام» إلى معيار لفهم طبيعة المرحلة المقبلة: ليس بمعنى أن الحزب سيطبق برنامجه كاملاً بحكم تصدره الانتخابات، وإنما بمعنى أن أولوياته ستدخل في صلب النقاش حول مضمون الحكومة الجديدة.

وقد أكدت قيادة الحزب، عقب إعلان النتائج، أن البرامج والتصورات ستكون أساساً للنقاش حول التحالفات، مع عدم وضع خطوط حمراء مسبقة أمام الأحزاب.

وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون فقط في تشكيل أغلبية قادرة على توفير العدد المطلوب من المقاعد، وإنما في بناء انسجام حول الأولويات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.

فالناخب الذي أدلى بصوته ينتظر، بعد انتهاء المنافسة الانتخابية، أن تتحول البرامج إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وأن تصبح الوعود المتعلقة بالشغل والقدرة الشرائية والخدمات العمومية والنمو قابلة للقياس والمساءلة.

ومن هذه الزاوية، قد يكون النقاش حول الحكومة المقبلة أقل ارتباطاً بعدد الأحزاب المشاركة فيها، وأكثر ارتباطاً بقدرتها على صياغة تعاقد حكومي واضح حول الأولويات الاجتماعية والاقتصادية.

وهنا سيجد «البام» نفسه أمام مسؤولية إضافية: الحفاظ على جوهر البرنامج الذي قدمه للناخبين، وفي الوقت نفسه إيجاد نقاط الالتقاء مع شركائه المحتملين، بما يسمح بتحويل صدارة انتخابية إلى مشروع حكومي يستجيب لتطلعات المواطنين.