حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

لم تعد المبادرات الملكية الموجهة نحو القارة الإفريقية تقتصر على تعزيز العلاقات الدبلوماسية، بل باتت تطرح تصورا جديدا للتعاون القاري، قوامه الربط الاقتصادي وتطوير البنيات التحتية وتحويل المؤهلات الإفريقية إلى مشاريع منتجة للثروة وفرص التنمية.

وهي الرؤية التي استأثرت باهتمام مسؤولين وخبراء أفارقة، خلال ندوة دولية احتضنتها مدينة السمارة، السبت، حول موضوع «المبادرات الملكية من أجل إفريقيا: من الاستمرارية التاريخية إلى آفاق الغد».

وفي هذا السياق، اعتبر المدير العام للمركز الإفريقي للتكوين والبحث الإداري للتنمية، كوفي ديودوني أسوفي، أن المبادرة الملكية الأطلسية تشكل محطة استراتيجية في مسار التعاون جنوب-جنوب، لما تتيحه من إمكانات لتعزيز التضامن والشراكات القائمة على المصالح المشتركة، وفتح آفاق جديدة أمام بلدان الواجهة الأطلسية لغرب إفريقيا.

وأوضح المسؤول الإفريقي أن هذه المبادرة تحمل فرصا واعدة لإطلاق دينامية للنمو المشترك والاندماج الإقليمي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالعزلة وضعف التنمية والتغيرات المناخية، فضلا عن التحولات الجيوسياسية والتنافس الدولي.

وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تقتضي تعزيز وحدة البلدان الإفريقية وتكثيف التعاون فيما بينها، بما يسمح بتحويل إمكاناتها الاقتصادية إلى فرص تنموية ملموسة.

ولم يقتصر طرح أسوفي على أبعاد التضامن والتنسيق السياسي، بل امتد إلى ضرورة إحداث تحول في النموذج الاقتصادي الإفريقي، من خلال الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى تصنيعها وتثمين الثروات المعدنية، وبناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على خلق قيمة مضافة وتعزيز استقلالية الاقتصادات الإفريقية.

ومن زاوية الشراكات الاقتصادية، توقف المسؤول بغرفة التجارة والصناعة الفرنسية بالمغرب ورئيس «نادي الممرات»، تييري بواتو، عند أهمية المبادرة الملكية الرامية إلى تسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي، معتبرا أنها تفتح مجالات جديدة للتعاون والاندماج الاقتصادي والازدهار المشترك.

كما أبرز الإمكانات التي توفرها العلاقات الفرنسية المغربية لتطوير الشراكات بين أوروبا وإفريقيا، مؤكدا التزام الغرفة بمواكبة هذه الدينامية وتحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع اقتصادية ملموسة.

وفي هذا الإطار، أشار بواتو إلى تعزيز حضور الغرفة بالأقاليم الجنوبية، من خلال مدن العيون والداخلة وكلميم والسمارة، معتبرا أن هذا التواجد يعكس التزاما مستمرا بالمنطقة، ويعزز فرص تطوير المبادلات والشراكات الاقتصادية بها.

بدوره، أشاد وزير الشؤون الخارجية التونسي الأسبق، أحمد ونيس، بالمشاريع ذات الامتداد الإقليمي التي أطلقها المغرب، معتبرا أنها تمهد لبناء تكتل استراتيجي يربط منطقة الساحل الإفريقي والمغرب الكبير بالواجهة الأطلسية، وصولا إلى انجامينا.

واستحضر في هذا السياق المبادرة الملكية الأطلسية، والممر العابر للصحراء بأمكالة، ومشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وخط أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، باعتبارها مشاريع من شأنها تعزيز الربط بين البلدان الإفريقية وتوسيع آفاق التعاون التجاري والاقتصادي بينها.

وتندرج هذه المداخلات ضمن أشغال لقاء دولي نظم بمدينة السمارة بمشاركة وزراء أفارقة سابقين وخبراء وممثلي منظمات المجتمع المدني وشخصيات مغربية وإفريقية، وذلك في إطار تخليد الذكرى الأولى لعيد الوحدة.

ومن المرتقب أن تتوج أشغال الندوة بإصدار «إعلان السمارة»، المتضمن لتوصيات بشأن القضايا التي تناولها النقاش، إلى جانب إحداث منصة للحوار والتعاون تهدف إلى تقريب وجهات النظر وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين.

وتكشف النقاشات التي احتضنتها السمارة عن توجه متزايد نحو مقاربة المبادرات الملكية من منظور اقتصادي وتنموي، يجعل من البنيات التحتية والربط البحري والتبادل التجاري والتصنيع المشترك ركائز أساسية لبناء شراكات إفريقية أكثر استدامة، والانتقال بالتعاون جنوب-جنوب من مستوى التصورات السياسية إلى مستوى المشاريع والنتائج الملموسة.