مع اقتراب انطلاق الحملة الوطنية للوقاية من الإنفلونزا والالتهابات التنفسية الحادة، يعود التحذير من التعامل مع الإنفلونزا الموسمية باعتبارها مجرد وعكة صحية عابرة، في ظل ما يمكن أن تسببه من مضاعفات خطيرة، خصوصا لدى الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة والفئات الأكثر هشاشة.
وفي هذا السياق، دعا الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، إلى تعزيز الوعي بمخاطر هذا المرض، مؤكدا أن الخلط بين الإنفلونزا والزكام الشائع يؤدي في حالات كثيرة إلى التقليل من خطورته، رغم الاختلاف الواضح بينهما من حيث طبيعة الأعراض وحدتها وتطورها.
وأوضح حمضي أن الزكام غالبا ما يبدأ بشكل تدريجي، وتتركز أعراضه في سيلان الأنف والعطس واحتقان الحلق، بينما تظهر الإنفلونزا بصورة مفاجئة، مصحوبة بالحمى والقشعريرة والسعال الجاف وآلام العضلات والمفاصل والصداع والإرهاق الشديد، وقد يستمر السعال لأكثر من أسبوعين.
ولا تتوقف تداعيات الإصابة عند الجهاز التنفسي، إذ يمكن للإنفلونزا، بحسب الباحث، أن تتسبب في مضاعفات تطال القلب والأوعية الدموية، وترفع مخاطر الأزمات القلبية والسكتات الدماغية، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. كما قد تؤدي إلى التهابات رئوية حادة أو تفاقم أمراض سابقة، بما يزيد احتمالات الاستشفاء والوفيات.
وتبرز خطورة هذه المضاعفات بشكل خاص لدى كبار السن والأطفال دون الخامسة والنساء الحوامل، إلى جانب المصابين بأمراض القلب والرئة والسكري والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، فضلا عن مهنيي الصحة. غير أن حمضي ينبه أيضا إلى أن الشباب والأصحاء يمكن أن يصابوا بالإنفلونزا، حتى وإن كانت احتمالات تطور حالتهم إلى مضاعفات خطيرة أقل مقارنة بالفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
وفي مواجهة هذه التحديات، يضع الباحث التلقيح الموسمي في مقدمة وسائل الوقاية، موضحا أن تركيبته تخضع للتحديث لمواكبة الفيروسات المتوقع انتشارها خلال كل موسم. ولا تقتصر أهميته على تقليل احتمال الإصابة، بل تمتد أساسا إلى الحد من الحالات الخطيرة والمضاعفات والوفيات.
وشدد حمضي على أن أخذ اللقاح لا يوفر ضمانا مطلقا لعدم الإصابة، لكنه يساهم في تقليل شدة المرض وتداعياته، مشيرا إلى أن الآثار الجانبية المعتادة تظل محدودة، وقد تشمل ألما أو احمرارا في موضع الحقن أو ارتفاعا طفيفا ومؤقتا في درجة الحرارة.
ويحتاج الجسم، وفق توضيحاته، إلى نحو أسبوعين لبناء الحماية المناعية بعد التلقيح.
وتكتسي هذه التوصيات أهمية إضافية بالمغرب، مع استعداد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية لإطلاق الحملة الوطنية للوقاية من الإنفلونزا والالتهابات التنفسية الحادة لموسم 2026-2027، ابتداء من الأسبوع الأول من نونبر الجاري.
وتشير معطيات الترصد الوبائي الواردة في المادة المنشورة إلى بداية مبكرة لنشاط الفيروسات خلال الموسم السابق، مع تسجيل ارتفاع في المؤشرات خلال خريف 2026، دون بلوغ العتبة الوبائية خلال الفترة التي شملتها المعطيات المتاحة.
وعلى الصعيد العالمي، تقدر منظمة الصحة العالمية عدد الإصابات السنوية بالإنفلونزا الموسمية بنحو مليار حالة، من بينها ملايين الإصابات الشديدة ومئات الآلاف من الوفيات، وهي أرقام تعكس حجم التحدي الصحي الذي يطرحه هذا المرض، وتبرز أهمية الوقاية والتلقيح والتعامل الجدي مع الأعراض، عوض اختزال الإنفلونزا في نزلة برد موسمية.



