تتجاوز مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب معالجة النزاع حول الصحراء المغربية من زاوية سياسية مرتبطة بالسيادة والوحدة الترابية، لتطرح تصورا مؤسساتيا يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والجهة، من خلال الجمع بين الحفاظ على الاختصاصات السيادية للمملكة وتوسيع صلاحيات السكان في تدبير شؤونهم المحلية والمشاركة في اتخاذ القرارات المرتبطة بمستقبلهم.
وفي هذا السياق، اعتبر محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، أن المبادرة المغربية تقدم تصورا سياسيا ومؤسساتيا قادرا على الجمع بين وحدة الدولة ومؤسساتها السيادية، وضمان مشاركة السكان في إدارة شؤونهم المحلية، مبرزا أن أهميتها تنبع من معالجتها النزاع عبر مستويين متكاملين: صون سيادة الدولة من جهة، والاستجابة لمطلب تدبير الشأن المحلي بواسطة مؤسسات جهوية تتوفر على صلاحيات فعلية من جهة أخرى.
وأوضح عبد الفتاح، في تصريح للقناة الثانية، أن واقعية هذا المقترح لا ترتبط فقط بأبعاده السياسية، وإنما أيضا بما يوفره من صيغة مؤسساتية قابلة للتفاوض والتنفيذ، تأخذ بعين الاعتبار قضايا التمثيلية والضمانات ومستقبل السكان.
واعتبر أن الحكم الذاتي المقترح لا يقف عند حدود اللامركزية الإدارية التقليدية، بل يتجه نحو إرساء بنية مؤسساتية تضم هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتولى تدبير مجموعة من الاختصاصات المحلية.
وتشمل هذه الاختصاصات، وفق المتحدث، الإدارة المحلية والأمن المحلي، إلى جانب التنمية الاقتصادية والتخطيط والاستثمار والميزانية، فضلا عن قطاعات التعليم والصحة والثقافة.
وفي المقابل، تظل الاختصاصات المرتبطة بالدفاع والعلاقات الخارجية والعملة ومقومات السيادة من اختصاص الدولة، بما يسمح بإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والجهة وتوسيع مجال التدبير المحلي دون المساس بوحدة المملكة.
ويرى رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان أن إحدى نقاط قوة المبادرة تتمثل في نقل النقاش من مسألة السيادة في بعدها المجرد إلى البحث في كيفية ممارسة السلطة وتوزيع الاختصاصات والموارد والضمانات.
فالتوصل إلى تسوية مستدامة، بحسب تقديره، لا يتوقف عند الاتفاق على صيغة سياسية عامة، بل يتطلب تحديد آليات اتخاذ القرار، وضمان تمثيلية السكان، وتأمين التمويل الضروري للمؤسسات، ووضع ترتيبات تحول دون تكرار الاختلالات التي ساهمت في استمرار النزاع.
ويمتد هذا التصور، بحسب عبد الفتاح، إلى الجانب التنموي، حيث يمكن للحكم الذاتي أن يحول التسوية السياسية إلى مشروع مؤسساتي واقتصادي، عبر تمكين الجهة من صلاحيات في التخطيط وتدبير الميزانية وتحفيز الاستثمار وتحديد الأولويات الاجتماعية والثقافية، مع توفير الموارد المالية اللازمة لممارسة هذه الاختصاصات.
كما شدد على أن إنهاء النزاع بصورة مستدامة لا يقتصر على التوصل إلى تسوية سياسية، بل يرتبط كذلك بتوسيع المشاركة في اتخاذ القرار، وتحقيق توزيع أوسع لفرص التنمية، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والسكان، بما يجعل الانتماء الوطني منسجما مع ممارسة تدبير محلي واسع.
وبمناسبة الاحتفاء بعيد الوحدة، ربط عبد الفتاح أهمية المبادرة بالانتقال من التعبير عن وحدة الدولة باعتبارها مبدأ وطنيا إلى البحث عن آليات مؤسساتية تجسد هذا المبدأ في الواقع، من خلال استيعاب الخصوصية المحلية وتوسيع مشاركة السكان في تدبير الشأن العام.
وخلص المتحدث إلى أن نجاح هذا التصور يظل رهينا بتوفير صلاحيات فعلية للجهة، وموارد مالية كافية، وتمثيلية ذات مصداقية، باعتبارها شروطا أساسية لبناء تسوية سياسية قابلة للاستمرار.



