حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

دخلت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة جديدة من الحذر، بعدما اختارت الرباط توجيه رسالة واضحة إلى بعض الأوساط السياسية والإعلامية في الجارة الشمالية، محذرة من تحويل المغرب إلى ورقة للاستهلاك الداخلي ومن توظيف القضايا المرتبطة بالمملكة في الصراعات والحسابات السياسية الإسبانية.

وجاء موقف وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج ليكشف حجم القلق المغربي من تصاعد خطاب سياسي وإعلامي يعتبر الرباط أن جزءا منه لم يعد مرتبطا باختلافات عابرة في وجهات النظر، بل بات يأخذ منحى قد يغذي التوتر ويؤثر في العلاقات بين بلدين تجمعهما مصالح إستراتيجية وأمنية واقتصادية وإنسانية متشابكة.

ولم يقتصر الانتقاد المغربي على بعض الأصوات السياسية، بل امتد إلى ما اعتبره البلاغ انخراط أحزاب تاريخية راكمت تجربة في تدبير الشأن الحكومي في خطاب من شأنه تغذية الخلاف، فضلا عن الإشارة إلى مبادرات صادرة عن مؤسسات تشريعية وقضائية اعتبرتها الرباط غير موفقة، محذرة من الانسياق وراء إستراتيجية تقوم على التخويف وصناعة صورة سلبية عن المغرب.

ويأتي هذا التصعيد في وقت تزداد فيه حساسية الملف المغربي داخل النقاش السياسي الإسباني، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يصبح المغرب والهجرة والعلاقات الثنائية ملفات قابلة للاستثمار في التنافس بين الأحزاب، وهو ما يرفع مخاطر انتقال الخلاف من المؤسسات السياسية والإعلامية إلى المجتمع.

وفي هذا السياق، حذر الكاتب والحقوقي المتخصص في العلاقات المغربية الإسبانية عبد الحميد البجوقي من أن المغاربة المقيمين في إسبانيا قد يكونون أول من يدفع ثمن هذا التجييش، بالنظر إلى التأثير المباشر للخطاب السياسي والإعلامي في نظرة جزء من المجتمع إلى الجالية المغربية.

ويرى البجوقي أن استمرار هذا المناخ قد يفتح المجال أمام تنامي مظاهر العنصرية والإقصاء، سواء في سوق الشغل من خلال تفضيل جنسيات أخرى على المغاربة، أو داخل الحياة اليومية، كما قد يمتد أثره إلى أبناء الجالية داخل المدارس والمؤسسات التعليمية، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاندماج والتعايش.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن الجالية المغربية بإسبانيا لم تعد مجرد امتداد بشري للعلاقات بين الرباط ومدريد، بل أصبحت مكونا أساسيا داخل المجتمع الإسباني وجسرا اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا بين البلدين، ما يجعل استهداف المغرب بخطاب سياسي متوتر قابلا للتحول إلى ضغط غير مباشر على مئات الآلاف من المغاربة المقيمين هناك.

وبينما تتمسك الرباط بأهمية العلاقات الإستراتيجية مع مدريد، تبدو رسالتها الأخيرة موجهة بالأساس إلى ضرورة الفصل بين الاختلاف السياسي المشروع وبين تحويل المغرب والمغاربة إلى مادة انتخابية. فالمنافسة بين الأحزاب الإسبانية تبقى شأنا داخليا، لكن عندما تتحول المملكة إلى أداة لتعبئة الناخبين عبر التخويف أو التصعيد، فإن التداعيات قد تتجاوز صناديق الاقتراع لتصيب العلاقات الثنائية والتعايش داخل المجتمع الإسباني نفسه.