مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر، يعود ملف «الترحال السياسي» إلى واجهة النقاش العام، بالتزامن مع استقالات برلمانيين من مواقعهم وانطلاق عملية إعادة ترتيب الأوراق داخل عدد من الأحزاب استعداداً للانتخابات المقبلة.
وخلال الأسابيع الماضية، بتّت المحكمة الدستورية في مراسلات أحالها عليها رئيس مجلس النواب بشأن استقالة عدد من أعضاء المجلس، وصرحت بشغور مقاعد معنية، في سياق سياسي يطرح مجدداً سؤال انتقال المنتخبين بين الأحزاب، خصوصاً عندما يحدث ذلك في الفترة القريبة من الانتخابات.
وبعيداً عن الحالات الفردية وأسبابها، فإن الظاهرة تفتح نقاشاً أعمق حول معنى الانتماء السياسي نفسه: هل الحزب مجرد بطاقة للترشح والوصول إلى المؤسسات المنتخبة، أم فضاء فكري وسياسي يفترض أن يجمع أعضاءه حول مبادئ وبرامج وقناعات مشتركة؟
فالانتماء إلى حزب سياسي، في مفهومه الديمقراطي، ليس مجرد اختيار انتخابي عابر، بل يفترض تربية سياسية ونضالاً والتزاماً ببرنامج وتصور معين لتدبير الشأن العام. ولذلك، يصبح من المشروع التساؤل عن مصداقية الانتقال من حزب إلى آخر بمجرد تغير موازين القوى أو اقتراب موعد الانتخابات.
عندما تتقدم المصلحة الانتخابية
المشكلة لا تكمن في حق السياسي في مراجعة قناعاته أو مغادرة تنظيم لم يعد ينسجم معه؛ فهذا حق ينبغي احترامه. الإشكال يظهر عندما يتحول تغيير الانتماء الحزبي إلى ممارسة موسمية مرتبطة بحسابات الترشيح وفرص الفوز بالمقاعد.
عندها يصبح الحزب، في نظر جزء من الرأي العام، مجرد وسيلة انتخابية، ويصبح السؤال المطروح على الناخب بسيطاً: إذا كان المرشح يستطيع تغيير الحزب والبرنامج والمرجعية قبيل الانتخابات، فما القيمة السياسية للصوت الذي يمنحه المواطن للائحة حزبية بعينها؟
الأكثر حساسية أن الأمر يتعلق أحياناً بمنتخبين ساهموا، من مواقعهم داخل البرلمان، في ممارسة السلطة التشريعية وصناعة القوانين ومراقبة العمل الحكومي. وهو ما يجعل مسؤولية المشرّع أكبر في إيجاد توازن واضح بين الحرية السياسية الفردية وبين حماية إرادة الناخب واستقرار المؤسسات الحزبية.
التشريع مطالب بإغلاق مناطق الالتباس
المغرب يتوفر بالفعل على مقتضيات دستورية وقانونية تؤطر فقدان الصفة البرلمانية في حالات التخلي عن الانتماء السياسي الذي ترشح باسمه المنتخب. لكن استمرار النقاش حول الانتقالات الحزبية قبيل الانتخابات يكشف الحاجة إلى تقييم مدى كفاية المنظومة الحالية في حماية الحياة السياسية من الممارسات الانتهازية.
وهنا يمكن فتح نقاش تشريعي جدي حول فرض فترة زمنية فاصلة بين مغادرة حزب والترشح باسم حزب آخر، أو وضع ضوابط أكثر صرامة على تغيير الانتماء السياسي خلال مدة محددة تسبق الانتخابات، مع ضمان احترام الحقوق الدستورية وحرية الانتماء السياسي.
الغاية لا ينبغي أن تكون منع الأشخاص من تغيير قناعاتهم، بل منع تحويل الأحزاب إلى «قمصان انتخابية» يتم استبدالها بحسب فرص الفوز.
الأحزاب تتحمل مسؤوليتها أيضاً
الدولة والمشرّع ليسا وحدهما معنيين بالظاهرة. فالأحزاب التي تستقطب، عشية الانتخابات، منتخبين وأسماء قادمة من تنظيمات منافسة فقط لأنها تمتلك قاعدة انتخابية جاهزة، تساهم بدورها في تكريس الترحال السياسي.
فكيف يمكن لحزب أن يطالب المواطنين بالثقة في مشروعه، ثم يقدم لهم مرشحاً كان إلى وقت قريب يدافع عن برنامج سياسي مختلف وربما منافس؟
بناء أحزاب قوية يتطلب الاستثمار في المناضلين والكفاءات والشباب والعمل الميداني المستمر، وليس البحث قبل كل استحقاق عن «مرشحين جاهزين» قادرين على جلب الأصوات.
السياسة التزام قبل أن تكون مقعداً
المغرب المقبل على تحديات اقتصادية واجتماعية وتنموية كبيرة يحتاج إلى ممارسة سياسية تستعيد ثقة المواطن، وهذه الثقة لا يمكن بناؤها إذا أصبح المقعد أهم من المبادئ، والحساب الانتخابي أقوى من الالتزام السياسي.
ومن حق أي مسؤول سياسي أن يختلف مع حزبه وأن يستقيل منه، لكن من حق المواطن أيضاً أن يعرف إن كان يصوت لشخص أم لمشروع سياسي.
لذلك، فإن معالجة ظاهرة الترحال السياسي لا تحتاج فقط إلى نصوص أكثر وضوحاً، وإنما إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل خدمة الوطن والمواطن فوق الحسابات الشخصية، وتعيد للانتماء الحزبي معناه الحقيقي باعتباره قناعة ومبادئ ونضالاً ومسؤولية، لا مجرد لون يتغير مع اقتراب صناديق الاقتراع.



