التبوريدة المغربية.. فن الفروسية الذي يحفظ ذاكرة الأجداد ويعبر بها نحو الأجيال
ليست «التبوريدة» في المغرب مجرد استعراض للخيول والبارود، بل مشهد ثقافي متكامل تختزل تفاصيله قروناً من التاريخ، وتلتقي فيه الفروسية بالشجاعة والانضباط واللباس التقليدي، في واحد من أكثر أشكال التراث الشعبي حضوراً في الذاكرة الجماعية للمغاربة
وتحافظ التبوريدة، المعروفة أيضاً باسم «الفانتازيا»، على حضور قوي في المواسم والمهرجانات والتظاهرات الثقافية بمختلف مناطق المملكة، حيث تتحول فضاءات العرض إلى ملتقى يجمع الفرسان والجمهور حول طقس احتفالي تتوارث قواعده ومهاراته الأسر والقبائل جيلاً بعد جيل.
«السربة».. روح جماعية قبل أن تكون استعراضاً
يقوم فن التبوريدة أساساً على «السربة»، وهي مجموعة من الفرسان يقودها «المقدم»، يدخل أفرادها ميدان العرض في صف متناسق، بلباس تقليدي وعتاد للفروسية وبنادق مخصصة لإطلاق البارود.
وتبدأ قوة العرض منذ لحظة الانطلاق؛ فالنجاح لا يرتبط بسرعة الحصان وحدها، وإنما بقدرة جميع أفراد السربة على الحفاظ على انتظام الصف والتحكم في الخيول والحركة الجماعية، وصولاً إلى اللحظة الأكثر انتظاراً، عندما يطلق الفرسان طلقاتهم بشكل متزامن يكاد يجعلها تبدو للجمهور كطلقة واحدة.
وهنا تكمن صعوبة التبوريدة وجمالها في آن واحد. فالمشهد الذي لا يستغرق سوى لحظات يحتاج إلى تدريب طويل وانسجام كبير بين الفارس وفرسه وبين أفراد السربة أنفسهم.
الخيل في قلب التراث المغربي
يحظى الحصان بمكانة متميزة في الثقافة المغربية، ولم تكن علاقته بالمغاربة مرتبطة بالحروب والتنقل فقط، بل أصبحت الفروسية جزءاً من الاحتفالات والعادات والمواسم المحلية.
وتكشف التبوريدة عن هذه العلاقة الخاصة، حيث يحظى الحصان بعناية دقيقة من حيث التربية والتدريب والتزيين، بينما يرتدي الفرسان أزياء تقليدية تكتمل بالسروج المزخرفة واللجام وملحقات الفروسية التي تحمل بدورها قيمة حرفية وفنية.
ولهذا فإن التبوريدة لا تحافظ على الفروسية وحدها، بل تساهم أيضاً في استمرار مجموعة من الحرف التقليدية المرتبطة بصناعة السروج والجلد والتطريز والملابس والأسلحة التقليدية.
تراث مغربي وصل إلى العالمية
واكتسبت التبوريدة بعداً دولياً مهماً بعدما أدرجتها منظمة اليونسكو سنة 2021 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وهو اعتراف يعكس قيمتها باعتبارها ممارسة ثقافية واجتماعية متوارثة في المغرب.
ولا يعني هذا الاعتراف فقط الاحتفاء بالماضي، بل يضع أيضاً مسؤولية الحفاظ على هذا الموروث ونقله إلى الأجيال الجديدة، خاصة في ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة.
من الآباء إلى الأبناء
من أبرز عناصر قوة التبوريدة استمرار انتقال مهاراتها داخل العائلات والمجتمعات المحلية. ففي عدد من المناطق، يكبر الأطفال وهم يشاهدون الآباء والأجداد في ساحات الفروسية، قبل أن يبدأ بعضهم تعلم ركوب الخيل وقواعد التعامل معه وصولاً إلى المشاركة في السربات.
كما شهدت السنوات الأخيرة حضوراً متزايداً للفارسات، في صورة تؤكد قدرة هذا التراث على التطور والمحافظة، في الوقت نفسه، على جوهره وهويته.
أكثر من طلقة بارود
حين تصطف الخيول، ويرفع الفرسان بنادقهم، وينطلق صوت البارود وسط هتافات الجمهور، لا يتعلق الأمر بمجرد فرجة شعبية.
إنها لحظة تستعيد فيها الذاكرة المغربية جانباً من تاريخها.
فالتبوريدة مدرسة في الانضباط والصبر والعمل الجماعي، وفن يجمع الإنسان بالخيل، والمهارة بالجمال، والماضي بالحاضر.
والحفاظ عليها لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم المواسم، بل يتطلب دعم مربي الخيول والفرسان والحرفيين، وتشجيع الأجيال الصاعدة على تعلم الفروسية في ظروف آمنة ومنظمة، وتوثيق خصوصيات التبوريدة بمختلف جهات المملكة.
ففي زمن تتغير فيه أنماط الحياة بسرعة، تظل التبوريدة واحدة من الصور التي تقول الكثير عن المغرب: بلد يحافظ على جذوره، ويجعل من الخيل والبارود والزي التقليدي لوحة حية لذاكرة لا تزال تنتقل من جيل إلى جيل.



