حجم الخط + -
2 دقائق للقراءة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يعود النقاش حول نزاهة العملية الانتخابية، ومدى قدرة مختلف المؤسسات على ضمان اقتراع يعكس الإرادة الحقيقية للمواطنين. ورغم أن القوانين المغربية تجرم بشكل واضح شراء الأصوات واستعمال المال أو النفوذ للتأثير على الناخبين، فإن نجاح أي انتخابات لا يتوقف على النصوص القانونية وحدها، بل يرتبط أيضًا بمدى احترامها وتطبيقها، وبوعي المواطن بأهمية صوته.
وتضطلع وزارة الداخلية بدور أساسي في تنظيم الانتخابات من خلال الإشراف على الجوانب اللوجستية والإدارية، وضمان جاهزية مكاتب التصويت، وتنسيق الجهود مع مختلف المتدخلين، إضافة إلى السهر على احترام القوانين المنظمة للحملات الانتخابية. غير أن محاربة التجاوزات، وفي مقدمتها شراء الأصوات، تظل مسؤولية مشتركة بين السلطات المختصة والنيابة العامة والأجهزة الأمنية، التي تتولى تلقي الشكايات والتحقيق في أي أفعال قد تشكل جرائم انتخابية، وفقًا للقوانين الجاري بها العمل.
لكن مهما بلغت قوة المراقبة، فإنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن يقظة المواطن. فشراء الأصوات لا ينجح إلا إذا وجد من يقبل بيع صوته. لذلك فإن الرهان الحقيقي يكمن في ترسيخ ثقافة المواطنة، وجعل الناخب يدرك أن صوته ليس سلعة تباع مقابل مبلغ مالي أو وعد مؤقت، بل هو أمانة تحدد مستقبل جماعته ومدينته وجهته ووطنه لسنوات.
لقد أثبتت تجارب انتخابية في دول عديدة أن مكافحة الفساد الانتخابي لا تتحقق فقط عبر العقوبات، وإنما أيضًا من خلال وعي الناخبين، وشفافية الحملات، وانخراط الأحزاب في منافسة قائمة على البرامج والكفاءة بدل الإغراءات والوعود غير الواقعية. وكلما ارتفع مستوى الوعي السياسي، تراجعت فرص التأثير غير المشروع على إرادة الناخبين.
ومن جهة أخرى، يتحمل المترشحون والأحزاب مسؤولية أخلاقية وقانونية في احترام قواعد التنافس الديمقراطي، وتقديم برامج قابلة للتنفيذ بدل الاعتماد على المال أو النفوذ لاستمالة الناخبين. كما أن وسائل الإعلام والمجتمع المدني مدعوان إلى مواصلة دورهما في التوعية، ورصد أي تجاوزات، وتشجيع المواطنين على التبليغ عن المخالفات عبر القنوات القانونية المختصة.
إن الانتخابات ليست مناسبة للفوز بالمقاعد فقط، بل هي اختبار لمدى نضج الممارسة الديمقراطية. لذلك، فإن نجاح الاستحقاقات المقبلة سيقاس بمدى احترام القانون، وبتوفير فرص متكافئة بين جميع المتنافسين، وبقدرة المؤسسات على التعامل مع أي خروقات في إطار القانون، دون افتراض مسبق لوقوعها أو الحكم على نتائجها.
وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحلقة الأهم في هذه المعادلة. فصوت واحد قد لا يغير النتيجة بمفرده، لكنه عندما يكون نابعًا من قناعة حرة، ويساهم مع أصوات أخرى في اختيار من يملك الكفاءة والنزاهة، يصبح أساسًا لبناء مؤسسات قوية وتنمية حقيقية. فالديمقراطية لا تحميها القوانين وحدها، بل يحميها أيضًا ضمير المواطن وإيمانه بأن صوته مسؤولية قبل أن يكون حقًا.