يحمل رقم إحداث أكثر من 42 ألف مقاولة بالمغرب خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 وجهاً مشرقاً للاقتصاد الوطني. آلاف المغاربة اختاروا أن يطرقوا باب المبادرة بدل انتظار الوظيفة، وآلاف المشاريع خرجت من الأوراق إلى السجل التجاري، في مؤشر يعكس استمرار الرغبة في الاستثمار وخلق النشاط الاقتصادي. لكن خلف الرقم الكبير يوجد سؤال أكثر أهمية من عدد المقاولات التي تولد: كم واحدة منها ستظل قائمة بعد عام أو ثلاثة أو خمسة أعوام؟
فالاقتصاد لا يقاس بعدد شهادات إنشاء الشركات التي تصدرها الإدارات وحدها، وإنما بعدد المقاولات التي تستطيع عبور سنواتها الأولى، وأداء أجور العاملين فيها، وتسديد ضرائبها ومستحقاتها، وتوسيع نشاطها، وخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة. وبين لحظة تأسيس الشركة ولحظة تحولها إلى مقاولة قادرة على الوقوف على قدميها توجد رحلة طويلة لا تظهر في إحصاءات التأسيس.
إن إنشاء مقاولة أصبح اليوم أكثر سهولة مما كان عليه في السابق، مع تطور الرقمنة وتبسيط عدد من الإجراءات وظهور آليات جديدة للمواكبة والتمويل. وهذه خطوة ضرورية لأي اقتصاد يريد تشجيع المبادرة الخاصة. غير أن سهولة الدخول إلى عالم الأعمال لا تعني بالضرورة سهولة البقاء فيه.
فبعد الحصول على الوثائق وفتح الحساب البنكي واستئجار المكتب أو المحل، تبدأ المواجهة الحقيقية مع السوق. هناك الإيجار والأجور والضرائب والرسوم والمحاسبة والطاقة والنقل والتأمين والموردون، وهناك قبل ذلك كله ضرورة العثور على الزبون الذي سيدفع مقابل المنتج أو الخدمة.
كثير من المشاريع لا تفشل لأن أصحابها يفتقدون الحماس، بل لأن المسافة بين الفكرة والسوق أكبر مما توقعوا. وقد يبدأ الشاب مشروعه برأسمال محدود وتصور متفائل، ثم يكتشف أن الحصول على أول زبون أصعب من تأسيس الشركة نفسها، وأن السيولة التي اعتقد أنها تكفي ستة أشهر قد تنتهي في نصف المدة.
وهنا يظهر أحد أكثر التحديات قسوة بالنسبة للمقاولات الصغيرة: الخزينة. فالمقاولة قد تكون رابحة على الورق لكنها عاجزة عن دفع أجورها في نهاية الشهر لأن مستحقاتها لم تصل بعد. وقد تنجز خدمة لشركة كبيرة أو مؤسسة وتنتظر أسابيع أو أشهراً للحصول على أموالها، بينما لا تنتظر فواتيرها ولا أجور مستخدميها ولا التزاماتها الجبائية.
تأخر الأداء ليس مجرد خلاف تجاري، بل قد يكون مسألة حياة أو موت بالنسبة لمقاولة صغيرة. شركة كبيرة تستطيع في الغالب امتصاص تأخر دفعة مالية، أما المقاول الذي بدأ نشاطه حديثاً فقد تكون فاتورة واحدة غير مؤداة كافية لإدخاله في سلسلة من الديون تنتهي بإغلاق المشروع.
ثم يأتي التمويل. فالحديث عن تشجيع المقاولات يظل ناقصاً إذا لم تجد الشركة الصغيرة طريقاً واقعياً إلى التمويل عندما تحتاج إليه. البنوك بدورها مطالبة بحماية أموالها وتقييم المخاطر، لكن المقاولة الجديدة غالباً لا تمتلك تاريخاً مالياً طويلاً ولا ضمانات كبيرة. وهكذا يجد صاحب المشروع نفسه أمام مفارقة قاسية: يحتاج إلى التمويل حتى تنمو شركته، لكنه يحتاج إلى شركة قوية حتى يحصل على التمويل.
ولذلك فإن الرقم الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل النقاش الاقتصادي ليس فقط عدد المقاولات التي أحدثت، بل نسبة بقائها واستمرارها. كم شركة من تلك التي تأسست في 2023 ما زالت تعمل اليوم؟ كم واحدة أصبحت تشغل خمسة أو عشرة أو خمسين شخصاً؟ وكم واحدة أغلقت أبوابها بصمت دون أن تتحول إلى رقم يثير النقاش؟
هذه المؤشرات أكثر قدرة على قياس صحة الاقتصاد المقاولاتي من الاحتفاء بعدد التأسيسات وحده.
كما أن توزيع الشركات الجديدة بين الجهات يستحق بدوره قراءة دقيقة. فإذا كانت نسبة كبيرة من المقاولات تتركز باستمرار في الدار البيضاء والرباط وطنجة ومراكش، فإن السؤال يصبح متعلقاً بقدرة باقي الجهات على إنتاج بيئة اقتصادية تسمح للشباب بتأسيس مشاريعهم في مدنهم دون الاضطرار إلى الانتقال نحو المراكز الكبرى.
فالجهوية الاقتصادية لا تتحقق ببناء الإدارات فقط، وإنما بخلق أسواق وفرص وتمويل وبنيات تحتية تسمح للمقاولة بأن تعيش في الرشيدية ووجدة وبني ملال وكلميم والحسيمة والداخلة كما تستطيع أن تعيش في الدار البيضاء وطنجة.
وهناك سؤال آخر يتعلق بطبيعة الشركات التي يتم إحداثها. هل نحن أمام مقاولات تنتج قيمة مضافة وتبتكر وتصدر وتوظف، أم أن الجزء الأكبر منها يتركز في أنشطة صغيرة محدودة القدرة على النمو؟ ليس في النشاط الصغير أي انتقاص، فهو يشكل العمود الفقري لاقتصادات كثيرة، لكن قوة الاقتصاد تظهر عندما يستطيع المشروع الصغير أن يصبح متوسطاً، والمتوسط أن يتحول إلى شركة أكبر قادرة على المنافسة.
المغرب يحتاج إلى ثقافة لا تحتفل فقط بولادة المقاولة، وإنما ترافق نموها. فصاحب المشروع في سنواته الأولى يحتاج إلى المعلومة والاستشارة القانونية والمحاسبية والوصول إلى التمويل والأسواق والصفقات والتكنولوجيا، كما يحتاج إلى إدارة تنظر إليه باعتباره منتجاً للثروة وفرص العمل لا مجرد ملف ضريبي جديد.
وفي المقابل، لا يمكن للدولة أن تضمن نجاح كل مشروع. عالم الأعمال بطبيعته يحمل المخاطرة، وبعض الأفكار لن تنجح مهما كانت برامج الدعم قوية. لكن مسؤولية السياسات العمومية هي أن تجعل فشل المشروع نتيجة طبيعية للسوق أو لضعف النموذج الاقتصادي، لا نتيجة عراقيل كان بالإمكان تفاديها.
كما ينبغي إعادة الاعتبار لثقافة الفشل نفسها. إغلاق شركة لا يعني دائماً نهاية صاحبها. في الاقتصادات التي تشجع الابتكار، يمكن للمقاول أن يفشل في مشروع ثم يعود بتجربة أقوى ومشروع أفضل. أما إذا تحول الفشل إلى سنوات من الديون والمشاكل والإجراءات المعقدة، فإن المجتمع لا يخسر شركة واحدة فقط، بل قد يخسر مقاولاً كان يستطيع المحاولة مرة أخرى.
رقم أكثر من 42 ألف مقاولة جديدة خلال خمسة أشهر يستحق الاهتمام، لأنه يعني أن هناك عشرات الآلاف من الأشخاص ما زالوا يؤمنون بإمكانية بناء مشروع داخل المغرب. وهذه الثقة في حد ذاتها رأسمال ينبغي الحفاظ عليه.
لكن النجاح الحقيقي لن يكون في إعلان رقم أكبر عند نهاية السنة. النجاح سيكون حين نستطيع العودة بعد ثلاث سنوات إلى هذه المقاولات نفسها ونجد أن جزءاً كبيراً منها ما زال يفتح أبوابه كل صباح، ويؤدي أجور العاملين، ويستثمر، ويكبر، ويوظف شباباً جدداً.
فتأسيس الشركة يمكن أن يستغرق أياماً، أما بناء المقاولة فقد يحتاج سنوات.
وبين الوثيقة التي تعلن ولادة شركة وأول راتب تدفعه لمستخدم جديد توجد القصة الاقتصادية التي تستحق أن نقرأها.
لذلك، عندما نقول إن المغرب أحدث عشرات الآلاف من المقاولات الجديدة، ينبغي أن نضيف فوراً السؤال الذي سيحدد القيمة الحقيقية لهذا الرقم: كم منها سيبقى واقفاً عندما تنتهي حماسة البداية وتبدأ مواجهة السوق?
حجم الخط
+
-
4 دقائق للقراءة



