حجم الخط + -
5 دقائق للقراءة

وادي الذهب بعد 47 عاماً.. من محطة تاريخية إلى بوابة المغرب نحو إفريقيا والأطلسي

في الرابع عشر من غشت من كل عام، يستعيد المغرب واحدة من المحطات الراسخة في مسار استكمال وحدته الترابية، ذكرى استرجاع إقليم وادي الذهب سنة 1979. غير أن استحضار هذه الذكرى اليوم لا ينبغي أن يتوقف عند قراءة صفحات التاريخ وحدها، لأن ما يجري في جنوب المملكة يجعل وادي الذهب جزءاً من مشروع يتطلع إلى المستقبل بقدر ما يستند إلى ذاكرة وطنية عميقة. فبعد سبعة وأربعين عاماً، لم تعد الداخلة مجرد مدينة في أقصى الجنوب المغربي، بل أصبحت نقطة تتقاطع عندها رهانات الاقتصاد والطاقة والسياحة والصيد البحري واللوجستيك والانفتاح على إفريقيا.
في 14 غشت 1979، قدم وفد من علماء وأعيان وشيوخ قبائل وادي الذهب إلى الرباط لتجديد روابط البيعة، في محطة أصبحت منذ ذلك التاريخ جزءاً من الذاكرة الوطنية المرتبطة باستكمال الوحدة الترابية. واليوم، بعد ما يقارب نصف قرن، انتقل السؤال من تثبيت الارتباط بالأرض إلى كيفية تحويل موقعها وإمكاناتها إلى قوة تنموية قادرة على خدمة سكان المنطقة وتعزيز حضور المغرب في محيطه الإفريقي والأطلسي.
وادي الذهب يمتلك قبل كل شيء موقعاً جغرافياً استثنائياً. فالمنطقة تنفتح على واجهة أطلسية واسعة، وتقع على امتداد الطريق الذي يربط المغرب بعمقه الإفريقي، وهو ما يمنحها قيمة تتجاوز حدودها المحلية. وفي عالم أصبحت فيه الموانئ والممرات التجارية وسلاسل الإمداد جزءاً من موازين القوة الاقتصادية، يتحول الموقع الجغرافي من مجرد مساحة على الخريطة إلى رأسمال استراتيجي.
ومن هنا يمكن فهم الأهمية المتزايدة التي تكتسبها الداخلة في الرؤية الاقتصادية للمملكة. فالرهان لم يعد مقتصراً على تطوير مدينة سياحية أو قطاع للصيد البحري، وإنما يتجه نحو بناء قطب اقتصادي قادر على الربط بين المغرب وأسواق غرب إفريقيا ومنطقة الساحل والفضاء الأطلسي.
ويأتي ميناء الداخلة الأطلسي في قلب هذه الرؤية. المشروع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد رصيف جديد لاستقبال السفن، بل باعتباره بنية يمكن أن تغير الوظيفة الاقتصادية للمنطقة بالكامل. فالميناء عندما يرتبط بالطرق والمناطق اللوجستية والصناعية وسلاسل التصدير والاستيراد يمكن أن يصبح نقطة جذب للاستثمارات، وأن يخلق حوله منظومة من الشركات والخدمات وفرص العمل.
والقيمة الحقيقية لأي ميناء كبير لا توجد داخل الميناء وحده، وإنما في الاقتصاد الذي ينمو حوله.
يمكن أن تظهر شركات للنقل والتخزين والتبريد والصيانة والخدمات البحرية والصناعات التحويلية والتصدير، كما يمكن للمنتجات القادمة من دول إفريقية أن تجد عبره طريقاً نحو الأسواق الدولية، في الوقت الذي تتحرك فيه المنتجات المغربية في الاتجاه المعاكس نحو عمق القارة.
وهنا تلتقي التنمية الجهوية مع الرؤية الأطلسية للمغرب.
فالواجهة الأطلسية للمملكة لا ينبغي أن تبقى مجرد شريط ساحلي طويل، بل يمكن أن تتحول إلى فضاء اقتصادي متكامل يربط شمال البلاد بجنوبها ويمتد نحو الشركاء الأفارقة. والداخلة مؤهلة لتكون إحدى أهم حلقات هذا المشروع بحكم موقعها وقربها من المحاور التجارية الإفريقية.
لكن قوة وادي الذهب لا تأتي من الميناء وحده.
البحر نفسه يمثل ثروة اقتصادية كبيرة. المنطقة تعد من أهم المجالات المرتبطة بالصيد البحري، غير أن التحدي المستقبلي هو الانتقال بصورة أكبر من استخراج الثروة إلى تصنيعها محلياً.
فكلما تم تحويل المنتوج البحري داخل المنطقة بدل نقله خاماً إلى مناطق أخرى، ارتفعت القيمة المضافة وبقي جزء أكبر من الثروة داخل الاقتصاد الجهوي.
مصانع التثمين والتجميد والتحويل والتعليب، إلى جانب البحث العلمي المرتبط بالموارد البحرية وتطوير تربية الأحياء المائية، يمكن أن تجعل القطاع أكثر قدرة على خلق فرص عمل مستقرة ومهن ذات قيمة أعلى.
وهذا المبدأ ينبغي أن يشمل مختلف القطاعات: الثروة الموجودة في الجهة يجب أن تنتج قيمة داخل الجهة.
أما السياحة، فتمثل فرصة أخرى ربما لم تستثمر بعد بكل إمكاناتها. الداخلة تمتلك صورة مختلفة تماماً عن الوجهات المغربية التقليدية. هناك المحيط والصحراء والبحيرة والرياضات البحرية والهدوء والمساحات الطبيعية الواسعة، وهي عناصر تتناسب مع تحول عالمي في الطلب السياحي نحو التجارب والطبيعة والمغامرة.
المدينة استطاعت بالفعل بناء اسم دولي في رياضات الرياح والأمواج، لكن الفرصة أكبر من ذلك بكثير.
يمكن تطوير سياحة بيئية عالية الجودة، ومسارات صحراوية، وتجارب مرتبطة بالثقافة الحسانية، والصيد الرياضي، ومراقبة الطبيعة، والرياضات البحرية، إضافة إلى سياحة المؤتمرات والفعاليات الرياضية الدولية.
والهدف ينبغي ألا يكون فقط زيادة عدد الزوار، بل زيادة مدة الإقامة وحجم الإنفاق الذي يبقى في الاقتصاد المحلي.
فالمدينة التي تمتلك طبيعة استثنائية يجب أن تتجنب الوقوع في نموذج السياحة الكثيفة التي تستهلك المكان الذي جاءت من أجله. قيمة الداخلة تكمن تحديداً في خصوصيتها، ولذلك فإن الاستثمار السياحي المستدام يمكن أن يكون أكثر ربحاً على المدى الطويل من البحث عن الأعداد فقط.
وفي قلب كل هذه المشاريع يوجد سؤال لا يمكن تجاوزه: الماء والطاقة.
الجنوب المغربي يمتلك إمكانات مهمة في الطاقات المتجددة، خصوصاً الرياح والشمس. ومع توسع مشاريع تحلية مياه البحر، يمكن لهذه الموارد أن تشكل قاعدة لنمو اقتصادي أكثر استدامة، سواء لخدمة السكان أو الصناعة أو السياحة أو بعض الأنشطة الزراعية التي تراعي خصوصية المنطقة ومواردها.
وإذا نجحت الداخلة في الجمع بين الطاقة النظيفة والماء المحلى والبنية المينائية واللوجستية، فإنها تستطيع تقديم نموذج مختلف لمدن المستقبل في المناطق الصحراوية.
لكن المشاريع الكبرى وحدها لا تكفي لصناعة التنمية.
فالاختبار الحقيقي لأي تحول اقتصادي هو أثره على الإنسان.
الميناء يصبح قصة نجاح عندما يجد شاب من المنطقة وظيفة داخله. والسياحة تصبح تنمية عندما يستطيع ابن الداخلة إنشاء شركة أو دار ضيافة أو مشروع نقل أو نشاط رياضي. والصيد يصبح ثروة حقيقية عندما ينتج صناعة محلية ومهارات وفرصاً للأجيال الجديدة.
ولهذا فإن الاستثمار في التكوين يجب أن يسير بالتوازي مع الاستثمار في الحجر.
المنطقة ستحتاج إلى تقنيين في اللوجستيك والموانئ والطاقة والصناعات البحرية والسياحة واللغات والرقمنة والصيانة. وإذا تم تكوين الشباب محلياً وفق حاجيات المشاريع التي تنشأ حولهم، فإن التحول الاقتصادي سيصبح أكثر رسوخاً واستدامة.
كما أن الجامعة والبحث العلمي يمكن أن يكون لهما دور أكبر. فالداخلة بما تمتلكه من بيئة بحرية وصحراوية فريدة قادرة على احتضان مراكز بحث في علوم البحار والمناخ والطاقة المتجددة والماء والزراعة الصحراوية والتنوع البيولوجي.
فالمدن الكبرى لا تبنى بالمصانع والموانئ فقط، وإنما بالمعرفة أيضاً.
ومن هنا تبدو ذكرى استرجاع وادي الذهب مختلفة اليوم. إنها مناسبة لاستحضار التاريخ، لكنها أيضاً فرصة للنظر إلى المسافة التي قطعتها المنطقة وإلى المسافة التي لا تزال أمامها.
قبل سبعة وأربعين عاماً كان السؤال مرتبطاً بالأرض والانتماء. اليوم يضاف إليه سؤال التنمية وصناعة المستقبل.
والتحدي لم يعد أن تكون الداخلة موجودة على خريطة المغرب فقط، فهي في قلبها، وإنما أن تصبح موجودة بقوة على خريطة الاقتصاد الأطلسي والإفريقي.
الفرصة قائمة: ميناء كبير، واجهة بحرية، طريق نحو إفريقيا، ثروة سمكية، طاقات متجددة، مؤهلات سياحية وموقع يصعب تكراره.
والمطلوب هو جمع هذه العناصر داخل اقتصاد متكامل يجعل الجهة منتجة للثروة لا مجرد محطة لعبورها.
عندها سيصبح ميناء الداخلة أكثر من مشروع للبنية التحتية، وسيصبح البحر أكثر من مصدر للأسماك، والصحراء أكثر من مشهد سياحي، والطريق نحو الجنوب أكثر من خط للنقل.
ستتحول جميعها إلى أجزاء من رؤية واحدة تجعل وادي الذهب بوابة مغربية مفتوحة على إفريقيا والأطلسي.
وبعد سبعة وأربعين عاماً من محطة 14 غشت 1979، ربما تكون أجمل طريقة للاحتفاء بالتاريخ هي ألا يبقى مجرد ذكرى نستعيدها كل سنة، بل أن يتحول إلى مستقبل يبنيه أبناء المنطقة بأيديهم.
فالأرض التي استعادها المغرب بالتلاحم والوحدة، يكتمل معناها اليوم بالتنمية والاستثمار والمعرفة، وبأن يشعر المواطن في الداخلة بأن موقع مدينته في أقصى الجنوب لا يضعها في الهامش، بل يجعلها في مقدمة مغرب يتجه بثقة نحو عمقه الإفريقي وامتداده الأطلسي.